أثار اكتشاف أقدم سجادة معروفة في التاريخ حالة من الذهول بين علماء الآثار والخبراء الدوليين، ليس فقط لعمرها الذي يتجاوز 2500 عام، بل أيضاً لدقة صنعها التي تتحدى الزمن. وهذه القطعة الأثرية النادرة، التي يعود تاريخها إلى ما بين القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد، عُثر عليها محفوظة بعناية فائقة وسط ثلوج جبال “ألتاي” المتجمدة، مما ساعد في بقائها بحالة ممتازة حتى يومنا هذا.
▪️ براعة هندسية من العصر الجليدي :
بخلاف المنسوجات البدائية التي ميزت ذلك العصر، كشفت الفحوصات المختبرية عن تعقيد مذهل في تصميم السجادة، منها “تقنية العقدة” حيث اعتمدت السجادة “عقدة جيوردس” (العقدة المزدوجة المتناظرة)، أذ تحتوي على 3600 عقدة، وهي تقنية متطورة جداً بمقاييس ذلك الزمن.
إضافة إلى ذلك فأن السجادة صنعت بالكامل من الصوف الخالص (الوبر والبطانة)، ويزدان التصميم بشريط مركزي وحواف فنية تصور غزلانًا ومحاربين على ظهور خيلهم، في مشهد يجسد حياة الشعوب القديمة.
ورغم أن السجادة تحكي قصة “السكيثيين” — وهم بدو اشتهروا بفروسيتهم وسيطروا على مساحات شاسعة من شرق أوروبا إلى غرب آسيا — إلا أن أصلها الدقيق لا يزال مادة دسمة للجدل بين المؤرخين.
والمعروف أن سلسلة جبال ألتاي تقع في آسيا الوسطى، حيث تلتقي روسيا والصين ومنغوليا وكازاخستان معا، حيث منابع أنهار إيرتيش، وأوبي. وتعتبر جبال ألتاي معروفة بالموضع الأصلي للعرق التركي.

▪️ نفي الأصل الفارسي :
ويرى خبراء أن الأنماط الموجودة في السجادة تتشابه بشكل لافت مع سجاد تركمانستان، ومنسوجات العصر السلجوقي، وصولاً إلى “الكليم” التركي المعاصر. وذلك، لا تزال أصولها الدقيقة غير مؤكدة، مما أثار جدلاً واسعاً بين المؤرخين.
ويذهب البعض إلى أن هذه الخصائص الفنية والتقنية قد تنفي نسبتها المطلقة للحضارة الفارسية كما كان شائعاً، مما يفتح الباب لإعادة تقييم مساهمات الشعوب البدوية والتركية القديمة في فن حياكة السجاد.
تظل هذه السجادة، القابعة لفترة طويلة في جليد “ألتاي”، شاهدًا صامتًا على مهارة يدوية سبقت عصرها بقرون، ولا يزال البحث مستمرًا لفك شفرة منشئها الحقيقي.
