في تذكار الشاعر والكاتب الهولندي سيس نوتيبوم || رحالة الكلمات _ منتخبات شعرية

ترجمة : محمد الأمين الكرخي

لم يكن سيس نوتيبوم الذي رحل عن عالمنا في 11 شباط / 2026 في إسبانيا، مجرد كاتب وروائي وشاعر عابر؛ بل كان “راداراً” ثقافياً يلتقط ذبذبات القارة وتاريخها، ومسافراً أبدياً آمن بأن الهوية ليست مكاناً نولِد فيه، بل أفقاً نكتشفه بالترحال.

 

لطالما اعتُبر نوتيبوم المولود في لاهاي عام 1933م “الوجه الثقافي” لهولندا في الخارج، وهو أكثر أدباء هولندا حضورا في المشهد الأوربي، لما يتمتع بها من مكانة أدبية مرموقة نتيجة نتاجه الضخم الذي توزع بين الشعر والرواية والمسرح والصحافة والترجمة والترحال، وقد كان نوتيبوم يُعد “المرشح الدائم” لجائزة نوبل للآداب، وأحد أهم الأصوات الأدبية التي ربطت الثقافة الهولندية بالعمق الأوروبي والإنساني الشامل.

 

بعد دراسته في مدارس الأديرة، أمضى شبابه متنقلاً بين مدن أوروبا، وهي تجربة استلهم منها روايته الأولى “فيليب والآخرون” (1955). وبعد عام، نشر قصيدته الأولى “الموتى يبحثون عن مأوى”. وتشمل أعماله الغزيرة روايات، وكتب رحلات، ومقالات، وقصائد، ومسرحيات، وقد تُرجمت أعماله إلى أكثر من ثلاثين لغة.

 

في روايته «طقوس» (Rituals)، التي شكلت منعطفاً في مسيرته، قدّم بناءً سردياً يعتمد على الإيقاع الداخلي للشخصيات، وعلى علاقة الإنسان بالزمن اليومي المتكرر. غير أن التميّز الأبرز في مساره ظهر في كتب الرحلة، وفي مقدمتها «الطرق إلى سانتياغو» (Roads to Santiago)، حيث تتحول الجغرافيا إلى طبقة تأملية، وتصبح المدن نقاط تقاطع بين التاريخ والذاكرة الفردية.

 

بفقدان سيس نوتيبوم (عن عمر ناهز 93 عاماً) لا تطوي هولندا صفحة أديب فحسب، بل تودع واحداً من آخر العمالقة الذين صاغوا وجدان أوروبا الحديثة، وواحد من الأدباء الذين رسخوا عمق التجربة الهولندية في العالم الغربي، تاركاً خلفه خارطة طريق لكل من يرى في الكتابة وسيلة للعبور نحو الآخر.

 

وقد كان لنوتيبوم مكانة هامة في ألمانيا على وجه الخصوص فكتبت الصحف الألمانية في رحيله ووصفته بأنه كتب أوروبا من الداخل، عبر تجربة فردية متحركة. نصوصه تكشف قارة تتشكل من تفاعل مستمر بين الماضي والحاضر، بين الخراب وإعادة البناء. في زمن تتصاعد فيه النزعات القومية، تبدو كتاباته تذكيراً بقارة قامت على التبادل الثقافي والتداخل اللغوي.والاحتفاء الألماني به يعكس تقديراً لدور الأدب في صياغة هوية عابرة للحدود. الكاتب الهولندي وجد في ألمانيا جمهوراً واسعاً، ووجد فيه النقاد صوتاً يعبر عن تحولات القارة بعمق وهدوء. رحيله يغلق صفحة مهمة من أدب أوروبي ظلّ وفياً لفكرة الرحلة كفعل معرفة، وللسرد كطريقة لالتقاط الزمن.

 

كان نوتيبوم يؤمن بأن السفر ليس مجرد انتقال مكاني، بل هو حالة ذهنية وفلسفية لاستكشاف الذات والآخر، ومن جهة أخرى كان نوتيبوم يمتلك قدرة هائلة على تطويع اللغة الهولندية لخدمة المعاني الفلسفية العميقة، حيث البحث في ماهية الزمن والذاكرة.

 

ورغم شهرته العالمية كروائي، إلا أن نوتيبوم كان يرى نفسه شاعراً في المقام الأول، وقد صاغ تجربته الشعرية في أواخر أعماله الشعرية مجموعة “Zo worden jaren tijd” (هكذا تصبح السنون زمناً) الصادرة عام 2023، والتي اعتبرها نوتيبوم خلاصة تجربته.

 

▪️ منتخبات شعرية :

 

لماذا لا يتركنا الموتى وشأننا؟

ينثرون أسماءهم عبر الطريق

الذي يجب أن نسلكه، يفعلون ذلك

بأبيات شعر في نومهم الأخير قبل الصباح،

وبعد ذلك يبتعدون ثانية، غائبين، كأنما

انصرفوا إلى شاغلٍ أو مِهنة.

 

▪️ ▪️ ▪️

 

لم أعد أسمعُ وقع خطاي،

ما يحيط بي

محجوب.

أواصل السير أعمى، كلبٌ شاحب

في الصقيع. هنا لا بد أن يكون المكان،

هنا أودعُ نفسي

وأتحوّل ببطء..

إلى لا أحد.

 

▪️ ▪️ ▪️

 

بدا الأمر بسيطاً للغاية، البيت

فضاء، أنت أرض وأنا

قمر وحيد، مرئي

ثم غير مرئي

ثم غير مرئي مرة أخرى،

 

▪️ ▪️ ▪️

 

من حجر ومن ماء نحن. لم

ننكر أصلنا قط، نحن ما هو كائن،

أرقام بلا نهاية. ذات مرة ألقى أحدهم

حجراً في الماء، حجراً لا يزال يخلق

دوائر متباعدة،

لا نزال نحن هي تلك الدوائر.

 

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.