لماذا ينحرف المهندسون؟ || أو لماذا يترك المهندس اختصاصه وينخرط في جوانب أخرى؟
أسرة التحرير | مدار 24
ثمة تساؤل قد يلمح في الأذهان بعد اطلاع بسيط على احصائية مختصرة لما يمسّ “ظاهرة” مثيرة للاهتمام، نوعا ما، فالمهندسون يمتلكون تاريخاً طويلاً في مغادرة مسارهم التقني والتقليدي، والأنحراف عن اختصاصاتهم والانخراط في مجالات مغايرة تماماً.
ليس الأمر سيئا بطبيعة الحال، فمنه ما يعود بفائدة، ويحقق إنجازا قد يكون أسمى مما يمكن تحقيقه فيما لو انكب على اختصاصه الدقيق وأنحصر به، فهناك من المهندسين من يذهب للأدب فيبدع به، أو للسياسة فيتسلق مناصب مرموقة، أو في إدارة الأعمال فيحقق مكاسب عالية، وهذا الانعطاف أو “الانحراف” عن المسار لا يعود غالباً إلى الفشل، بل إلى تقاطع عوامل نفسية، واقتصادية، وفكرية تجعل المهندس مرشحاً ممتازاً للنجاح في فضاءات أخرى.
انصرف هنا الى تسليط الضوء على الانحراف الذي يتقاطع مع إمكانيات المهندس ويعود دوما إلى الفشل ربما أو إلى صناعة سمعة غير جيدة ومكسب غير نافع، كأن يصبح بعض المهندسين ارهابيين خطيرين، أو صناع أفكار مقلقة، وما شابه.
في الواقع فإن “العقلية الهندسية” قابلة للتطبيق في كل مكان، والهندسة في جوهرها ليست مجرد معادلات وأرقام، وليست هي لغة جافة للأختصاص ذاته، بل هي في الواقع منهجية لحل المشكلات (Problem-Solving)، والمهندس يُدرب على تفكيك المعضلات المعقدة إلى أجزاء صغيرة والتعامل معها بنظام معين وأسلوب مختلف، وهذه المهارة بالذات هي ما تحتاجه عدد من المجالات الأخرى التي يمكن أن ينحرف إليها المهندس.
في اذهان الكثير من الناس العمل الهندسي التقليدي قد يكون محصوراً في قوالب صارمة مثل (مكتب، موقع بناء، مختبر، ورشة صيانة)، بالمقابل، تتيح مجالات مثل الفكر، والادب، والسياسة، والدين، والجهاد هامشاً أوسع للحركة، والتعبير عن الرأي، والتأثير المباشر في المجتمع وصناعة الوعي، وهو ما يشبع شغفاً داخلياً قد تختنقه جدران المكاتب الهندسية.
يعيش المهندس بعد حصوله على شهادة الهندسة في اختصاص ما في عقلية المفكر العملاق والمبتكر الاحترافي، إلا أن العمل الروتيني في الوظيفة، أو الاندماج في سوق العمل المنهك يبعده غالبا عن روح الهندسة، وتجرفه مصاعب الحياة والعمل المزاول عن عالمه الأساسي بل ويغيب عقله تماما في بعض الأوقات ويتحول إلى أداة للتنفيذ وليس عقلا للتفكير.
هنا يصبح البحث عن منفذ آخر أمرا ملحاً، ولكن المصيبة أن المهندس عندما ينحرف يبدع أيضا في الخط الذي ينجرف إليه، فإذا قرر ان يصبح مجاهدا سيكون في النهاية مجاهد يضرب به المثل، واذا قرر ان يصبح ارهابيا سيكون خطيرا للغاية، واذا قرر ان يدخل عالم السياسة سيصبح وزيرا أو رئيسا في نهاية المطاف.
إن الفجوة بين شغف الفكرة، وروتين الوظيفة يتيح للكثيرين أن يدخلوا كليات الهندسة مدفوعين بصورة نمطية عن المبتكر أو المصمم، أو إنسان ما فوق العادة، أو إنسان غير عادي بتعبير أدق. لكن الواقع الوظائفي يصدمهم أحياناً بمهام روتينية مكررة كالتدقيق الورقي أو المتابعة التنفيذية الإجرائية وما شابه. وهذا التباين يدفع أصحاب الحس الإبداعي أو الأدبي إلى البحث عن منافذ أخرى يعبرون فيها عن طاقاتهم، كالرواية، أو الفلسفة، أو العمل الثقافي، وغيره.
وفي كثير من الأحيان، تلعب بيئة العمل والفرص المادية دوراً حاسماً، حيث إلى جانب تشبع سوق العمل الهندسي في بعض البلدان وتدني الأجور مقارنة بالجهد المبذول. وصعود قطاعات أخرى مثل صناعة المحتوى الرقمي، وإدارة المشاريع، والإنتاج الإعلامي التي توفر عوائد مالية أسرع أو فرصاً للعمل المستقل. بالإضافة إلى الانخراط في مجالات مشبوهة تيسر الحصول على المادة دون جهد أو المزيد من العمل.
نظيف إلى ذلك أن دراسة الهندسة تركز بشكل مكثف على الأشياء مثل الآلات، المعادن، الدوائر الكهربائية، المنشآت، الأكواد وما إلى ذلك. وبعد التخرج يكتشف بعض المهندسين أن شغفهم الحقيقي يكمن في التعامل مع العنصر البشري، وتوجيه المجتمعات، وفهم السلوك الإنساني، فيتحولون إلى مجالات تركز على الإنسان، أو القيادة المؤسسية ونحوه.
في الواقع أن هناك أعداد كبيرة من المهندسين وأسماء معروفة، لا نجد ضرورة في ذكرها هنا قد أنحرفت إلى ما ذكرناه من مجالات، ثم أن بعضهم ترك بصمة سيئة أو انطباع متخلف عن “الهندسة” ودارسيها، وخلاصة القول أن المهندس عندما “ينحرف” عن مساره، فهو لا يتخلى عن عقليته، بل يأخذ أدواته التحليلية الصارمة ويطبقها في فضاءات إنسانية أو إبداعية جديدة، مما يمنحه غالباً تميزاً وقدرة على رؤية الزوايا التي قد يغفل عنها المتخصصون التقليديون في تلك المجالات.
