بغداد عاصمة الثقافة الإسلامية 2026 || الكتاب يعود إلى المدينة التي علّمت العالم القراءة

أعداد : مصطفى شاكر _ العراق

في مدينةٍ ارتبط اسمها بالكتاب والعلم والترجمة منذ قرون، تستعد بغداد لاستقبال دورة جديدة من معرض بغداد الدولي للكتاب، في لحظة ثقافية تحمل دلالة أكبر من مجرد إقامة معرض لبيع الكتب.

وفي هذا السياق، يستعد معرض بغداد الدولي للكتاب لدورته السابعة والعشرين، المقرر إقامتها من 2 إلى 12 أيلول/سبتمبر 2026، في حدث ينتظر أن يجمع دور نشر ومؤسسات ثقافية وباحثين وقراء من العراق وخارجه. وتؤكد إدارة المعرض في بيانات المشاركة أن الفعالية ستفتح أبوابها يومياً من العاشرة صباحاً حتى العاشرة مساءً.

▪️ بغداد مدينة الكتاب

ليس غريباً أن تستعيد بغداد علاقتها
بالكتاب في مناسبة كهذه. فالمدينة التي كانت في العصر العباسي مركزاً للعلم والترجمة والفكر، تحولت عبر تاريخها إلى مساحة التقى فيها العلماء والمترجمون والفقهاء والفلاسفة والأدباء، وأصبح الكتاب جزءاً من شخصيتها الحضارية.

ومن هنا فإن معرض الكتاب في بغداد لا يبدو مجرد قاعات مليئة بالكتب، بل امتداداً حديثاً لعلاقة قديمة بين المدينة والمعرفة.

لقد تغيرت الأدوات، وتطورت صناعة النشر، وانتقلت المعرفة من الورق إلى الشاشات والمنصات الرقمية، لكن السؤال بقي نفسه: كيف نحافظ على علاقة الإنسان العراقي بالكتاب في عصر السرعة والهاتف والذكاء الاصطناعي؟

▪️ معرض يتجاوز فكرة البيع والشراء

توضح إدارة معرض بغداد الدولي للكتاب أن المشاركة مفتوحة أمام دور النشر ومراكز البحوث والجامعات والصحف والمجلات والدوريات الثقافية والجهات ذات العلاقة. وهذا يفتح المجال أمام المعرض ليكون فضاءً أوسع من عملية بيع الكتب وشرائها.

فالزائر لا يأتي بالضرورة بحثاً عن كتاب فقط، بل قد يأتي للقاء كاتب، أو حضور فعالية ثقافية، أو التعرف على دار نشر جديدة، أو اكتشاف إصدار لم يكن يعرفه، أو المشاركة في نقاش فكري.

وفي التجارب السابقة للمعرض، شهدت بغداد حضوراً واسعاً للقراء والناشرين، مع مشاركة دور نشر عراقية وعربية وأجنبية، وتحول المعرض إلى مناسبة ثقافية تستقطب مختلف الأعمار والفئات. وقد وصفت محافظة بغداد المعرض في إحدى دوراته بأنه «كرنفال ثقافي» وواحة للثقافة والفكر والأدب.

▪️ بغداد عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي

يحمل اختيار بغداد عاصمةً للثقافة في العالم الإسلامي لعام 2026 دلالة خاصة. فالقرار لا يرتبط بمدينة حديثة فحسب، بل بمدينة لها حضور عميق في تاريخ الحضارة الإسلامية. وقد أوضحت الإيسيسكو أن برنامج عواصم الثقافة في العالم الإسلامي يهدف إلى الاحتفاء بالمدن التي تتميز بتراث ثقافي وحضاري غني، وإبراز إسهاماتها في التراث الإنساني.

ومن المنتظر أن تمتد الفعاليات المرتبطة بالمناسبة على مدار عام، وتشمل مؤسسات ثقافية وفنية مختلفة، بما فيها الأدب والموسيقى والسينما والمسرح والفنون التشكيلية ومعارض الكتب. وقد أعلنت وزارة الثقافة العراقية أن البرنامج يمتد من حزيران 2026 إلى حزيران 2027.

وهنا يصبح معرض الكتاب واحداً من أهم المساحات التي يمكن أن تظهر فيها صورة بغداد الثقافية أمام جمهور عراقي وعربي ودولي.

▪️ الكتاب العراقي في مواجهة العالم

أحد أهم جوانب المعرض هو أنه يتيح للكتاب العراقي أن يخرج من حدوده المحلية. ففي قاعات المعرض يمكن أن يلتقي الكاتب العراقي بالناشر العربي، والباحث العراقي بالقارئ الأجنبي، والكتاب المحلي بالإصدارات القادمة من بلدان مختلفة.

وهذه اللقاءات قد تكون أهم من عملية البيع نفسها، لأنها تخلق شبكة ثقافية واسعة، وتمنح الكتاب العراقي فرصة للانتشار والترجمة والتعريف بتجارب العراق الأدبية والفكرية.

وفي المقابل، تمنح المشاركة العربية والأجنبية القارئ العراقي فرصة الوصول إلى كتب قد لا تكون متاحة له بسهولة خارج المعرض.

▪️ جيل جديد من القراء

لكن السؤال الأهم ربما لا يتعلق بعدد دور النشر أو عدد الكتب، بل بعدد الأشخاص الذين سيغادرون المعرض وهم يحملون كتاباً جديداً.

فالمعرض في النهاية لا يقاس فقط بحجم أجنحته، وإنما بقدرته على إعادة الكتاب إلى الحياة اليومية.

العراق يمتلك تقاليد عريقة في القراءة والكتابة، لكن الأجيال الجديدة تعيش في عالم مختلف تماماً؛ عالم الهاتف المحمول والمحتوى السريع ومواقع التواصل الاجتماعي.

ولهذا يمكن لمعرض الكتاب أن يلعب دوراً مهماً في جعل القراءة تجربة اجتماعية وليست نشاطاً فردياً منعزلاً.

فأن يرى الشاب آلاف الكتب أمامه، ويلتقي بالكتاب والمثقفين، ويشاهد النقاشات والندوات، يمكن أن يعيد تشكيل علاقته بالقراءة بطريقة مختلفة.

فبغداد التي كانت يوماً بيتاً للعلم، تستطيع أن تجعل من الكتاب جسراً جديداً بين ماضيها ومستقبلها.

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.