من جدارية المصرف العقاري إلى عتمة الإعدام .. حين يحفر السيراميك مأساته
كتبه : غزال محمد
من حكايات الطين والدكتاتورية في العراق
في تاريخ الفن العراقي، ثمّة أسماء لا تكتفي بترك أثرٍ في التشكيل، بل تصبح جزءاً من الذاكرة الوطنية المشحونة بالألم والجمال. من منطقة الأضرّملي أو الأزرملي في العلاوي وسط بغداد ولد الفنان عبد الحميد راجي محمود الزبيدي عام 1933 الذي حمل بين يديه طين العراق ليصيغه حكايا تروي شغفه المبكر بالنحت والسيراميك. أكمل دراسته في رحاب الإعدادية المركزية للبنين عام 1957، قبل أن يرفد موهبته بالمعرفة الأكاديمية في كلية الفنون الجميلة عام 1962، متخصصاً في السيراميك الصناعي (تكنولوجيا تصنيع الفرفوري).
لم تكن تجربته الفنية معزولة عن سياق النهضة العراقية فقد تشبّع برؤى الفنانين الرواد أمثال جواد سليم وفائق حسن، فضلاً عن تأثره البالغ بالمعماري الكبير هشام منير، مدير قسم الهندسة المعمارية بكلية الهندسة. هذا التلاقح بين روح النحت الخالدة وهندسة الفراغ، أثمر عن أولى ملاحمه الفنية عام 1961 حين تشرّف بالمشاركة مع الأستاذ جواد سليم في إنجاز الأيقونة الخالدة جدارية البنك المركزي العراقي.
وفي عام 1963 وجد الزبيدي نفسه خلف أسوار المعتقلات لعدة أشهر لإتهامه بالشيوعية تحت بطش السلطة الحاكمة في وقتها. وعند خروجه من السجن إختار المنفى طريقاً لحياته، فإرتحل إلى چسكلفاكيا ثم براغ لدراسة لغة تشيكيا، ليعود إلى الوطن عام 1969 مدرساً في كلية الفنون الجميلة حتى عام 1972، ويعود مرة أخرى نحو براغ لينال منها شهادة الدكتوراه عام 1976، عائداً إلى بغداد مدرساً في كلية الفنون الجميلة، كما عمل محاضر لطلاب كلية الهندسة قسم الهندسة المعمارية لمادة (تطبيق نظريات عمارة وفن) داخل كلية الفنون الجميلة بطلب من المعماري الدكتور موفق جواد الطائي لمدة عامين.

خلّف الفنان عبد الحميد شواهد فنية لا تزال تروي حضوره، كجدارية المصرف العقاري في كرادة مريم مع الفنان شمس الدين فارس، وجدارية دار الضيافة (قصر السلام حالياً) تصميم المعماري هشام منير وتنفيذ الأستاذ سعد شاكر والدكتور محمد عريبي، وجدارية البنك المركزي العراقي شارك فيها مع الفنان جواد سليم.
لكن شموخ الطين لم يشفعا له أمام غطرسة الدكتاتورية. ففي يوم 22 / 9 / 1980 إعتقله جهاز المخابرات مع زميله شمس الدين فارس في كلية الفنون بتهمة وُصفت بـ “سب السلطة العليا”. لم يترك خلفه سوى مفاتيح عجلته التي ائتمن عليها عميد الكلية الأستاذ أسعد عبد الرزاق، لتتحول تلك المفاتيح لاحقاً إلى أثر دمعة على لسان أخيه كمال راجي حين سأل عنه، فجاء الجواب القاسي ( إجو عليه المخابرات وأخذوه هو وشمس الدين ). وفي يوم 7 / 5 / 1983 تم إعدامه هو وزميله الفنان شمس الدين فارس، ليبقى ذويهم حتى يومنا هذا بلا مثوىً يزورونه، وبلا جسد يوارى التراب.. تراب بغداد الذي أحبه وأفنى عمره في تخليده. عبد الحميد راجي الزبيدي.. فنان استوطن الفخار طيناً وناراً، وبقي حياً في أثر جدارياته التي تأبى إلا أن تروي حكاية مبدع، فصار لامعاً كالفرفوري، وصلباً كالسيراميك، وخلوداً لا يطاله النسيان .

