الأعمى الذي رأى كل شيء .. الأرجنتين تحتفل بذكرى ميلاد بورخيس 

متابعة | مدار 24

 

في نهاية آب/أغسطس من كل عام، تقيم الأرجنتين احتفالًا عالميا يتجاوز حدودها. وكالعادة، نظّمت مؤسسة “بورخيس الدولية” بالتعاون مع حكومة مدينة بوينس آيرس برنامجًا امتد ثمانية أيام تحت عنوان “بورخيس: كاتب عالمي”، بمناسبة مرور 127 عامًا على ميلاد خورخي لويس بورخيس (1899–1986). تضمّن البرنامج محاضرات وورش عمل وعروضًا سينمائية وجولات ومعارض تتبّعت استقبال أعماله في إنجلترا والولايات المتحدة والصين وفرنسا وأوروغواي والبلدان السلافية.

 

ففي ذكرى ميلاد بورخيس، لا تحيي الأرجنتين مجرد محطة في تاريخها الأدبي، بل تستحضر الكائن الفلسفي الذي أعاد صياغة وعي العالم بالكلمة والتأمل.

 

خورخي لويس بورخيس. الشاعر، والقاص، والمترجم الذي أطفأ الفقدان البصري عينيه في منتصف عمره، لكنه فتح بدلاً منهما بصيرة لا تتناهى، ليرى من خلال المتاهات، والمكتبات، والمرايا ما عجز الأصحاء عن إدراكه.

 

ولد بورخيس في بوينس آيرس عام 1899، ونشأ بين أرفف مكتبة والده الزاخرة بالكتب الإنجليزية والإسبانية. لم تكن القراءة لديه مجرد هواية، بل كانت طقساً وجودياً وصنعته الأولى.

 

حين أصابه العمى الوراثي التدريجي، لم يتوقف عن الكتابة والابتكار، بل تحول الظلام لديه إلى مساحة للتحيل والأحلام. أدار المكتبة الوطنية الأرجنتينية وهو لا يبصر كتاباً واحداً منها، في سخرية قدرية وصفها بأنه “لطف إلهي رائع منحني في وقت واحد 900 ألف كتاب والظلام”.

 

لم يكتب بورخيس الروايات الطويلة قط، بل صب عبقريته في القصص القصيرة والمقالات المكثفة التي غيرت وجه الأدب العالمي. تميزت أعماله بما يُعرف اليوم بـ “البورخيسية” (Borgesial)، وهي مزيج فريد بين الفلسفة، والرياضيات، والأساطير، والفانتازيا الذهنية.

 

في ذكرى ميلاده، تتزين بوينس آيرس بالفعاليات الثقافية، وتفتح المقاهي القديمة التي كان يجلس فيها أبوابها لاستعادة مقاطعه الشعرية. تحول بورخيس إلى رمز أرجنتيني عابر للقارات؛ فقد ألهمت كتاباته كبار أدباك الواقعية السحرية في لاتينوأمريكا، وأثرت في فلسفة البنيوية وما بعد الحداثة في أوروبا، وصارت أعماله مرجعاً لكل من يبحث عن أدب يختبر حدود العقل البشري.

 

لم يكن بورخيس يحلم بالخلود، بل كان يرغب فقط في أن يُذكر كقارئ جيد. لكن التاريخ حفظه باعتباره الأعمى الذي أبصر الكون بأكمله، وترك خلفه مكتبة مفتوحة على اللانهائي، تذكرنا دائماً بأن الحقيقة تكمن في المسافة بين ما نراه وما نتخيله.

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.