في ذكرى رحيله منير بشير عازف العود العراقي الذي حمل صوت العراق إلى العالم
اعداد : مصطفى شاكر _ العراق
في 28 أيلول/سبتمبر تحل ذكرى رحيل الموسيقار وعازف العود العراقي منير بشير، الذي غيّبه الموت في بودابست عام 1997 إثر نوبة قلبية، بعد مسيرة طويلة جعلت اسمه واحداً من أبرز الأسماء التي ارتبطت بتاريخ العود والموسيقى العراقية والعربية في القرن العشرين.
لم يكن منير بشير مجرد عازف بارع على آلة العود، بل كان صاحب مشروع موسيقي حاول من خلاله أن يمنح هذه الآلة مساحة أوسع للتعبير، وأن ينقلها من موقعها التقليدي داخل الفرق الموسيقية إلى فضاء العزف المنفرد والحضور على المسارح العالمية. وقد ارتبط أسلوبه بالارتجال والتأمل والبحث عن إمكانات جديدة للصوت الشرقي.
ولد منير بشير في الموصل عام 1930 لعائلة ارتبطت بالموسيقى؛ فقد كان والده عازفاً ومغنياً، كما كان يصنع بعض الآلات الوترية ومنها العود، فيما كان شقيقه الأكبر جميل بشير من الأسماء المعروفة في الموسيقى العراقية. وفي هذا البيت الموسيقي بدأت علاقة منير بالعود منذ طفولته.
انتقل لاحقاً إلى بغداد، والتحق بمعهد الفنون الجميلة، ودرس العود على يد الموسيقار الشريف محيي الدين حيدر، الذي ترك تأثيراً واضحاً في تكوينه الفني وأساليبه في العزف. وتخرج من المعهد عام 1946، قبل أن يبدأ مرحلة مهنية طويلة في الإذاعة والتعليم والعمل الموسيقي.
عمل بشير في إذاعة بغداد، وشارك في الحياة الموسيقية العراقية، كما تولى مسؤوليات في المؤسسات الموسيقية والتعليمية، وأسهم في تدريب أجيال من الموسيقيين. وتشير المصادر إلى أنه شغل رئاسة القسم الموسيقي في الإذاعة، وعمل في معهد الفنون الجميلة ومعاهد موسيقية أخرى.
كانت إحدى أهم محطات تجربة منير بشير محاولته تطوير مكانة العود بوصفه آلة قادرة على الوقوف منفردة أمام الجمهور. لم يتعامل معه باعتباره آلة لمرافقة الغناء فقط، وإنما بوصفه وسيلة للتعبير الشخصي والارتجال واستكشاف المساحات الصوتية.
ولهذا ارتبط اسمه بما يمكن وصفه بـ العود المنفرد؛ إذ سعى إلى تحرير العزف من القوالب الجامدة، ومنح الارتجال مساحة كبيرة في أدائه. وتصف دراسات وكتابات عن تجربته مشروعه بأنه أسهم في كسر الحاجز بين العود والفضاءات الموسيقية العالمية، مع الحفاظ على جذوره الشرقية.
ولم يتوقف اهتمامه عند الموسيقى العراقية والعربية، فقد خاض تجارب ودراسات خارج العراق، ووصل إلى أوروبا، حيث درس الموسيقى في أكاديمية فرانتس ليست في بودابست، وانفتح على تجارب موسيقية مختلفة، وهو ما انعكس لاحقاً على رؤيته للعود وطريقة تقديمه.
كانت بيروت محطة مهمة في مسيرته؛ إذ التقى هناك بالأخوين رحباني، وعمل مع عدد من الفنانين، كما ارتبط اسمه بتسجيلات وأعمال مع مطربين وموسيقيين عرب. وتشير المصادر إلى أنه لحن وغنى له عدد من الأعمال، وشارك عازفاً على العود في تجارب موسيقية مختلفة.
ثم اتسعت دائرة حضوره خارج العالم العربي، فسافر إلى أوروبا وقدم حفلات وتسجيلات، وأصبح العود من خلال تجربته حاضراً في فضاءات لم تكن الآلة الشرقية مألوفة فيها بوصفها آلة منفردة.
وقد سجل للإذاعة البريطانية عدداً من المقطوعات، كما ارتبط اسمه بحفلات وتسجيلات في عدد من الدول، وحصل خلال حياته على أوسمة وتكريمات من مؤسسات ودول مختلفة، في إشارة إلى اتساع الاعتراف بتجربته الموسيقية.
امتدت اهتمامات منير بشير إلى مجالات أخرى في الثقافة والفنون. فقد عمل في التعليم الموسيقي، والإذاعة والتلفزيون، وشارك في تأسيس وتطوير مؤسسات موسيقية، كما كتب وألف، وتولى مسؤوليات في مؤسسات ومجلات تعنى بالموسيقى.
وتذكر المصادر أنه كان أميناً عاماً للمجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية منذ عام 1975، كما ترأس تحرير عدد من المجلات الموسيقية، وترك تسجيلات وأسطوانات انتشرت في أوروبا وخارجها.
لكن العود ظل في مركز تجربته. فكلما اتسعت رحلته، عاد إليه بوصفه اللغة التي يستطيع من خلالها أن يقدم رؤيته الخاصة للموسيقى، بعيداً عن مجرد إعادة أداء الألحان الموروثة.
في مساء 28 أيلول/سبتمبر 1997، توفي منير بشير في بودابست إثر نوبة قلبية، منهياً حياة حافلة بالموسيقى والسفر والتعليم والتجريب.
وبعد رحيله، بقي اسمه حاضراً في ذاكرة الموسيقى العراقية والعربية، لا باعتباره واحداً من أمهر عازفي العود فحسب، وإنما باعتباره موسيقياً حاول أن يعيد تعريف علاقة العازف بآلته.
