«ستهجرنا الكلمات»: حياة ثانية في تربة السرد

كتبه : محمد الحسين _ العراق

ضمن مشروعه «الاستنبات الشذري»، يعيد محمد الأمين الكرخي قراءة سرديات الكاتب العراقي، ليمنح صورها وتفاصيلها حياة شعرية مستقلة. وبغلاف وتخطيطات لمرتضى الجصاني، تتقاطع في الكتاب أسئلة الإقامة والنجاة والجسد وحدود الكلام.

قد يمضي العمر في مكان وصلنا إليه بقصد المغادرة. تتأجل الخطوة التالية، ثم تتراجع إمكاناتها، إلى أن يصبح العبور إقامة. في «ستهجرنا الكلمات»، تتكثف هذه التجربة في ثلاثة أسطر: «ما ظننته نزلاً مؤقتاً، / صار / نزلي الأبدي». تقف كلمة «صار» وحدها في منتصف المسافة، كأنها تحمل الزمن الذي احتاجته الحياة لتبدّل وجهتها.

تمنح هذه الشذرة مدخلاً إلى كتاب يحمل اسم الروائي العراقي عبد الهادي سعدون، ويضم «١١١ شذرة وشذرة» استخرجها واعتنى بنشرها محمد الأمين الكرخي. صدر الكتاب عن دار أبجد في العراق، بغلاف وتخطيطات داخلية للفنان التشكيلي العراقي مرتضى الجصاني. وتتقاطع فيه كتابة السرد مع قراءة تبحث عما يمكن أن ينمو بين تفاصيله من شعر وتأمل.

تأتي التجربة ضمن مشروع أدبي يعمل عليه الأمين الكرخي تحت مسمّى «الاستنبات الشذري». يقوم المشروع على إعادة قراءة النصوص السردية، واستنبات شذرات من صورها وأفكارها وتفاصيلها، ثم إعادة تشكيلها في نصوص قصيرة تستقل بجمالياتها، وتحتفظ بأثر خفي من عالمها الأول. تصبح القراءة، بهذا المعنى، ممارسة إنشائية تتدخل في علاقات الكلمات وإيقاعها وحدودها.

ويشرح الأمين الكرخي في كلمة الغلاف الخلفي أن الفكرة بدأت من قراءته قصة «مصارعة الثيران»، حيث وجد فضاء شعرياً وعوالم مكثفة دفعته إلى استخراج أكثر من اثنتي عشرة شذرة، قبل أن تتسع التجربة لتشمل أعمالاً أخرى، منها «انتحالات عائلة» و«تقرير عن السرقة» و«مذكرات كلب عراقي».

تستحق استعارة الاستنبات التوقف عندها. فهي تفترض علاقة مستمرة بين النص الجديد والتربة التي خرج منها، مع إفساح المجال لنمو مختلف. العبارة التي كانت تؤدي وظيفة داخل الحكاية تتقدم هنا إلى واجهة الصفحة، ويصير عليها أن تصنع توترها بنفسها. وقد يغدو تفصيل عابر مركزاً لتجربة كاملة، بعدما كانت الأحداث المحيطة به تستأثر بانتباه القارئ.

في الصفحات المعروضة، تتضح قوة هذا التحول حين تحمل الكلمات القليلة مأزقاً يصعب اختزاله في خلاصة. «تبرير نفسي: / لن أنجو كلياً، / لكنّي انشطرت». لا تكتمل النجاة؛ يستمر المتكلم وقد فقد شيئاً من وحدته. وتزيد عبارة «تبرير نفسي» المسألة التباساً، لأنها تجعل الكلام محاولة لإقناع الذات أيضاً. هل الانشطار وسيلة للبقاء، أم خسارة يبحث صاحبها عن اسم محتمل؟

ويمتد هذا الاضطراب من الذات إلى المكان. ثمة بيت يحتله من يعجز المتكلم عن تحديد طبيعتهم: «أشباح هم أم غرباء من لحم ودم؟». تضع الصورة المألوف تحت ضغط الغرابة؛ فالبيت، بما يعد به من معرفة وأمان، يصبح موضع ارتياب. ويمكن لهذه الشذرة أن تستدعي خبرة الاقتلاع، مثلما تحتمل قراءة أكثر حميمية عن شعور المرء بأنه غريب داخل حياته.

وتبلغ الحيرة صفاءها في عبارة أخرى: «من الصعب أن أميّز / إن كان التعوّد هروباً، / أو طريقة للوجود». تحتفظ الشذرة بالاحتمالين، وتترك المسافة بينهما مفتوحة. فقد يكون الاعتياد قدرة على الاحتمال، وقد يخفي تراجعاً بطيئاً عن الرغبات. يصعب إصدار حكم من الخارج، وهذا بالضبط ما يمنح الجملة قوتها: إنها تعيد الشك إلى سلوك يبدو تفسيره سهلاً.

لكن التكثيف يواجه امتحانه الخاص. فحين تنتهي العبارة إلى حكم مكتمل، تضيق مساحة مشاركة القارئ. «ليست خيانة / تلك التي تشق طريقاً / لها إلى الحلم» صيغة رشيقة، غير أن وضوح وجهتها يجعل أثرها أسرع استقراراً من الشذرات التي تتنازعها معانٍ متعارضة. وكذلك تستند صورة الوردة العطشى والأمل الذي يجف إلى معجم شعري مألوف. يتفاوت الأثر، في هذه النماذج، بحسب قدرة الصورة على مفاجأة قارئها، وبحسب ما تتركه له بعد القراءة الأولى.

وتمنح السخرية بعض الصفحات حيوية مختلفة. ففي «لا اعتراض لي، / الحياد إدمان / باطن» تنقلب نبرة التسليم إلى تشخيص مقلق. يمكن للصمت أن يتحول إلى عادة تستتر خلف مظهر الاتزان. وفي الشذرات التي تجعل السرّة مركز الكون، يتجاور الجسد مع المبالغة الكونية، فتدخل الرغبة بخفتها واندفاعها إلى عالم تثقله أسئلة الفقد.

لهذا الجسد حضور بصري موازٍ في أعمال مرتضى الجصاني، وإن ظلت التخطيطات مفتوحة على قراءات متعددة. على الغلاف، يعلو العنوان الأزرق تكويناً خطياً تتداخل فيه الانحناءات والامتدادات مع لمسات حمراء وسوداء. وتتيح الخلفية الفاتحة تتبّع حركة الخط، بما فيها من اتصال وانقطاع، قبل محاولة تثبيتها في معنى مقروء.

أما التخطيطات الداخلية، فتتنوع في الصفحات المعروضة بين خطوط مقتصدة وكتل داكنة متشابكة، وبين إشارات حروفية وأشكال تجريدية. يخلق هذا التنوع إيقاعاً يرافق الشذرات، ويمنح العين وقفات تختلف عن وقفات القراءة. تقابل العبارة المحدودة الكلمات مساحة تشكيلية يصعب حصرها في تفسير واحد، ويشارك البياض المحيط بهما في تنظيم الانتباه.

ويضع هذا الإخراج كل نص أمام اختبار إضافي. فالعبارة التي تستأثر بمساحة واسعة من الصفحة تدعو إلى الإبطاء والعودة. بعض الشذرات يكافئ هذه العودة بانكشاف معنى جديد؛ وبعضها يمنح أثره دفعة واحدة. هنا تصبح الصفحة نفسها أداة نقدية، إذ تجعل تفاوت الكثافة بين النصوص أكثر ظهوراً.

ثم يأتي العنوان ليجمع خيوط التجربة في مفارقة: «يوماً ما سوف تهجرنا الكلمات، / كل شيء قد قيل / كالموت». يبدو الكلام إعلاناً عن الإنهاك، لكن مشروع الأمين الكرخي يفتح فيه احتمالاً آخر. فالعودة إلى سرديات سعدون تكشف أن الكلمات تحتفظ بطاقات تتغير مع طريقة قراءتها وترتيبها والإصغاء إليها.

وفي أقوى النماذج المعروضة، يمنح «الاستنبات الشذري» هذه الطاقات شكلاً محسوساً. تنتهي الأسطر سريعاً، ويبقى أثرها يعمل في الذاكرة: ذات تبرّر انقسامها، وبيت يصعب التعرف إلى ساكنيه، وإقامة حسبناها مؤقتة فإذا بها تستغرق الحياة.

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.