إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس مجرد “ماذا يعني خطف رئيس دولة؟”، بل “ماذا تبقى من النظام الدولي حين تتحول الجيوسياسية إلى عملية جراحية لاستئصال الرؤوس؟”.
إن اختطاف رئيس دولة، أياً كان الموقف من شرعيته، هو في العرف السياسي “إعلان حرب” مؤجل التنفيذ، تحكمه رغبات متبادلة في حافة الهاوية. لكن العملية الأمريكية الأخيرة لا تشبه حروب القرن العشرين الشاملة؛ إنها تنتمي لجيل جديد من “العسكرة المخابراتية”. هي محاولة لفرض إرادة القوة العظمى دون التورط في وحل “الاحتلال”، عبر صدمة عسكرية محدودة تهدف إلى بذر الذعر في قلب النظام الفنزويلي، وإيصال رسالة مشفرة: “لسنا بحاجة لإسقاط الدولة، يكفينا اعتقال قبطانها”.

لكن التاريخ يعلمنا أن “الفراغ” في السلطة هو كائن حي ومفترس. الرهان الأمريكي اليوم يسير على نصل حاد؛ فخروج وزير الداخلية الفنزويلي محذراً من “خلايا الداخل” يكشف أن جسد النظام الذي شيده مادورو لم يمت بمجرد غياب الرأس. فإذا نجح الخلفاء في امتصاص الصدمة، فإن واشنطن لن تحصد سوى “أسطورة جديدة” للمقاومة. ستتحول صورة مادورو المختطف إلى “أيقونة” نضالية تُحيي إرث “شافيز” الكامن، وحينها ستدرك واشنطن أن القوة وحدها لا تصنع الاستقرار، بل قد تصنع خصماً أكثر شراسة لا يملك ما يخسره.
وعلى الضفة الأخرى، يبدو “ثقب الأسود” مخيفاً؛ فإذا وهن الخلفاء وانكسر الجيش، لن نرى ديمقراطية وليدة، بل سنرى “دمشق أخرى” في الكاريبي. ستسقط كاراكاس في وحل الإرهاب والفوضى، وسينشطر الجيش إلى أمراء حرب، لتصبح الثروة النفطية التي كانت “لعنة” العداء منذ عام 2007 مجرد غنيمة في يد نظام “دمية” يخدم مصالح واشنطن وتل أبيب، بعيداً عن أحلام السيادة التي تغنى بها البوليفاريون.
إن الرئيس ترامب، في سعيه لترسيخ صورة “الحزم الأمريكي”، يضع بلاده أمام اختبار أخلاقي وقانوني عسير. فإذا فشلت هذه العملية في تغيير الخارطة السياسية، سيجد نفسه محاصراً داخلياً بتهمة “العجز الاستراتيجي” الذي لم ينتج سوى تشويه صورة أمريكا وعزلها.

في نهاية المطاف، القوة العارية قادرة على خطف رئيس، لكنها نادراً ما تنجح في خطف إرادة الشعوب أو السيطرة على مسارات الفوضى التي تلي الانفجار. فهل كانت عملية “خطف مادورو” خطوة شطرنج بارعة، أم أنها كانت مجرد رصاصة طائشة في غرفة مليئة بالبارود؟
