صراع الإرادات فوق مضيق هرمز : ترامب يبحث عن مخرج .. وخامنئي الابن يرفض الانحناء

كتبه : أمين شيرازيان || خاص بمدار 24

في الوقت الذي تتآكل فيه الرمال من ساعة فترته الرئاسية، يجد الرئيس دونالد ترامب نفسه محاصراً بين مطرقة الواقع العسكري المرير في الخليج، وسندان الحاجة الملحة لاتفاق “يحفظ ماء الوجه” أمام ناخبيه. لكن في طهران، يبدو أن الزعيم الإيراني الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، يقرأ مشهداً مختلفاً تماماً؛ مشهدٌ لا مكان فيه لأنصاف الحلول، حيث يصر المرشد الشاب على دفع واشنطن نحو “الاستسلام الكامل” ورفع الراية البيضاء، كشرط وحيد لإنهاء القتال ورفع العقوبات الخانقة.

 

▪️”حالة عماء” استراتيجية :

على الورق، تبدو القوة النيرانية المشتركة للجيش الأمريكي وسلاح الجو الإسرائيلي هائلة؛ فقد نجحت الغارات في تحييد أهداف مدنية وبنى تحتية بحرية إيرانية واسعة. إلا أن الواقع الميداني يتحدث بلغة أخرى. فرغم الدمار، لا تزال الترسانة الصاروخية للحرس الثوري تتدفق بغزارة لا تهدأ، ولا تزال البحرية الإيرانية تمسك بخناق مضيق هرمز، الممر الحيوي للطاقة العالمية.

 

ويشير محللون عسكريون إلى أن طهران حققت “نجاحاً جراحياً” في استهداف شبكة الرادارات والمحطات الأرضية المرتبطة بالأقمار الاصطناعية الأمريكية، مما أدخل آلة الحرب الأمريكية فيما يشبه “حالة العماء” المعلوماتي. ولم تفلح الطائرات المسيرة المتطورة، مثل MQ-9 الأمريكية و”هيرميس” الإسرائيلية، في سد هذا الفراغ، حيث تساقطت تباعاً أمام دفاعات جوية إيرانية أثبتت كفاءة غير متوقعة.

 

▪️انحسار الهيمنة وتكتيك “سلاح النفط” :

التقارير الواردة من الميدان ترسم صورة قاتمة للوجود العسكري الأمريكي؛ حيث فقدت واشنطن القدرة على تشغيل 17 منشأة عسكرية في دول الخليج، واضطرت حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” ومدمراتها للتواري بعيداً خوفاً من الاستهداف المباشر. وفي المقابل، تواصل منصات الصواريخ الإيرانية المتحركة العمل بحرية تامة، عجز سلاح الجو عن كبح جماحها.

 

وفي خطاب التنصيب الذي حمل نبرة التحدي، لوّح مجتبى خامنئي بورقة “الثأر المستمر”، ملمحاً إلى قدرة حلفائه الحوثيين على إغلاق مضيق باب المندب. إنها استراتيجية “الضغط الأقصى المعاكس” التي تستهدف نقطة ضعف ترامب القاتلة: أسعار النفط. فالرئيس، الذي يواجه ضغوطاً داخلية هائلة، لا يملك ترف الوقت لتحمل قفزات جنونية في أسعار الطاقة قد تعصف بالاقتصاد العالمي.

 

▪️نتنياهو ومصيدة “إسرائيل الكبرى” :

على الجانب الآخر، يبدو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في وضع لا يحسد عليه. فبعد أن كانت أحلامه تتوسع نحو “إسرائيل الكبرى” وإعادة رسم خرائط المنطقة، وجد الإسرائيليون أنفسهم في “مصيدة مرعبة”.

الصواريخ الانشطرية والفرط صوتية، التي تحمل رؤوساً تزن أطنان المتفجرات، باتت تخترق القباب الحديدية التي تراجعت كفاءتها، محولة المدن الإسرائيلية إلى ساحات انتظار للموت القادم من السماء.

 

▪️فتنة الطوائف: الورقة الأخيرة

بعد فشل الرهان على حرب أهلية داخل إيران، وتعثر “الورقة الكردية” بسبب المعارضة التركية الحازمة، يبدو أن الغرف المظلمة في واشنطن وتل أبيب بدأت تروج لسيناريو “الحرب الطائفية”. الهدف هو تحريض دول الخليج السنية للدخول في أتون المواجهة المباشرة ضد إيران.

 

إلا أن هذا المسعى يصطدم بوعي متزايد في العواصم الخليجية؛ حيث حذر قادة ومفكرون، من بينهم رئيس الوزراء القطري الأسبق حمد بن جاسم، من الانجرار إلى “حرب ليست حربهم”.

 

▪️لكن الخطر لا يزال قائماً من زاويتين:

* العمليات “المموهة”: احتمال قيام إسرائيل بضربات تستهدف موانئ أو خزانات نفط في الخليج وتركيا، ثم إلصاق التهمة بطهران لإشعال فتيل الفتنة.

* التيارات الراديكالية: وجود أصوات داخل إيران والعراق تتبنى فكراً صدامياً يرى في الجميع أعداء.

ومع ذلك، يبرز خطاب المرشد مجتبى الأخير كإشارة تهدئة، بتأكيده على “التعاون الودي والصادق” مع الجيران ورفض الهيمنة، وهي وعود ينتظر العالم ترجمتها إلى أفعال على الأرض.

 

▪️الخلاصة : التحرك ككتلة واحدة

إن استراتيجية نتنياهو الأخيرة للنجاة هي “إحراق المنطقة” عبر صراعات عرقية وطائفية تضمن بقاءه وتحقق أحلامه التوراتية. وإذا كان قد بدأ بضرب ما يسمى “المحور الشيعي”، فإنه لن يتردد في استهداف “المحور السني” لاحقاً.

إن هذا الواقع يفرض على القوى الإقليمية الكبرى — السعودية، مصر، تركيا، وباكستان — التخلي عن سياسة “الانتظار”، والتحرك ككتلة جيوسياسية موحدة لامتلاك زمام المبادرة وإطفاء الحرائق التي يشعلها نتنياهو، قبل أن تجد المنطقة نفسها غارقة في “دائرة نار” لا تبقي ولا تذر.

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.