شجون الكهرباء الباردة في صيف العراق اللاهب

كتبه : محمد الحسين _ العراق

بعد مضي ثلاث وعشرون عاماً على مشروع الديموقراطية الحديثة في “العراق الجديد”، لا يزال الشعب يعاني من تفاقم المشكلات نفسها التي بدأت أو أسست بالحال مع أول برنامج حكومي واعد بعد الاحتلال الأميركي للعراق، وقد وصلت للحد الذي يعتبر فيه حلها جذرياً أمراً مستحيلا.

 

الكهرباء، واحدة من هذه المشاكل الأزلية في “العراق الجديد” ويبدأ شجون حديثها مع كل صيف حيث تفاقم الأزمات، وتشتد حاجة المواطنين إليها، وقد عجزت كل الحكومات السابقة بتوفير البدائل والحلول للواقع المزري في توفير هذه الطاقة بشكل مرضي.

 

تتكون وزارة الكهرباء العراقية من مجموعة من الشركات العامة التي تعمل كل واحدة منها ضمن رقعة جغرافية محدودة وبمهام محددة، في الإنتاج والنقل والتوزيع، وتعاني كل واحدة من هذه الشركات من مجموعة هائلة من المشاكل، حيث كل شركة تحتاج بدورها إلى انقلاب جذري لتصحيح مسارها.

 

كل شركة تضم مجموعة من القطاعات بعدد الوحدات الإدارية التي تشملها وكل قطاع يتشعب لعدد من المراكز والشعب الإدارية والفنية والهندسية وغيرها، فمن أصغر شعبة إلى أكبر قطاع هناك كم هائل من المعوقات والمشاكل الإدارية والمالية والفنية والتنظيمية التي قد تشل عمل القطاع وتحد من تقدمه.

 

هناك فروق كبيرة بين الشركات نفسها من جانب والقطاعات من جانب آخر، تتضمن في الامتيازات المالية والإدارية، والاعمال الفنية، وأيضا في جانب الأحتكاك بالمواطن، وتحمل المسؤوليات المختلفة، بالإضافة إلى العجز في توفر الامكانيات المحدودة لكل قطاع أو شعبة ما.

 

ونلاحظ في كل شركة من شركات الوزارة وجود “ستاف” من الموظفين المخضرمين الذين يمتد تأثيرهم الكبير على مفاصل الوحدات الإدارية والفنية، ثمة “ستاف” آخر من الموظفين الذين يعملون بما تمليه عليهم جهات أو أحزاب متنفذة، حيث يسخرون عملهم الوظيفي لخدمة فئة دون أخرى، وحرمان فئات أخرى من الشعب.

 

كل ما ذكرناه سابقا هو ما قد يشكل نسبة خمسين بالمئة من مشاكل الوزارة نفسها باعتبارها الجهة المسؤولة عن تقديم خدمة الطاقة الكهربائية للشعب، وما ذكرناه لا يتعلق بقدرة الوزارة أو الحكومة على توفير الوقود اللازم للإنتاج، بل هو ما يتحدد بقدرة الوزارة على إصلاح نفسها من داخل مفاصلها.

 

لا يعني هذا أن المشكلة تتحدد بالوزارة وحدها ومن يديرها والتي تحتاج لأنقلاب تصحيحي جذري شامل، لكن ليتبين للمواطن أن نقص الوقود والذي هو ليس من اختصاص الوزارة، هو ليس المشكلة الرئيسية والوحيدة في عدم توفر الطاقة الكهربائية.

 

غياب الوقود هو جزء من المشكلة وهناك إمكانيات تساعد بتوفيره، أما المشكلة الأكبر فتنحصر بغياب الضمير والمنهج والادارة الحكيمة في الوزارة نفسها، لأن معظم موظفيها يعملون تحت منهج “إسقاط واجب”، والبعض يجهل وظيفته الأساسية ولا يؤدي عمله بالشكل الصحيح، والبعض الآخر لا يشكل وجوده إلا عبئاً على الوزارة.

 

وثمة ما لاحظناه أيضا، هو غياب التعاون الجاد بين شركات الوزارة نفسها، والتعاون بين القطاعات والشعب لتقديم خدماتها بالصورة المطلوبة، وحتى غياب التعاون بين موظف وآخر في الشعبة والمناوبة نفسها، لكن ثمة من يلقي اللوم على الآخر، وثمة من يتكاسل عن القيام بعمله مما يخلق جوا من التعقيد والتراكم تتحمل وزره الوزارة كلها.

 

ومن الغريب أن العراق هو أول بلد عربي دخلته مشاريع الطاقة الكهربائية، ففي عام ١٩١٧م ركبت السلطات البريطانية في شارع الرشيد وسط بغداد أول ماكينة ديزل لتوليد الكهرباء لغرض أنارة شوارع العاصمة الإدارية، ولكن حتى عام ١٩٩٩م كانت الكهرباء إحدى تشكيلات وزارة الصناعة، ثم انفصلت لاحقًا كهيئة مستقلة، ولم تتأسس كوزارة إلا عام ٢٠٠٣م.

 

ما يعني أن عمر الطاقة الكهربائية في العراق يتجاوز بنحو قرن وعقد من الزمن أما عمر وزارتها فلا يتجاوز ربع قرن، حيث يمكن وصفها بأنها وزارة فتية، تأسست بمشورة الأحتلال الأميركي وبظل مجلس الحكم، ولكن عملها الميداني وخبراتها لا يتحدد بعمرها الحالي كوزارة، ورغم مراحل تطورها فقد تعرضت لضروف صعبة جراء الحروب والأزمات المالية التي عاشها العراق في السنوات الماضية.

 

أخيراً، وجب التذكير بأنني أتحدث هنا بصفتي موظف صغير في إحدى الشركات التابعة لوزارة الكهرباء، وما كتبته هو جزء مما رأيته أو عشته وعايشته، أو حُدثت عنه عن مصادر من قلب الحدث، كما لا أعصم نفسي من الخطأ والتقصير، ولا أتنصل من تحمل جزء من المسؤولية، سواء بدرجتي الحالية أو حتى في حال لو أوكلت إلي مهام ووظائف أخرى.

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.