أزمة “الخبير الفوري” : كيف تآكلت المعايير المهنية في تغطية الشأن الإيراني؟

كتبه : أمين شيرازيان _ كاتب وصحافي عراقي

تتصاعد المخاوف في الأوساط الأكاديمية والإعلامية الرصينة حول ظاهرة “المحلل الجاهز” التي باتت تغزو الشاشات عند تناول الملف الإيراني المعقد. ففي الوقت الذي تقتضي فيه أبجديات العمل الصحفي الاستقصائي والتحليل الاستراتيجي إلماماً عميقاً بلغة الأرض وسياقها التاريخي، يبدو أن المعايير المهنية لبعض المؤسسات الإعلامية قد انحدرت لصالح الاستعراض وتكريس الانقسامات.

 

▪️ اختزال المعرفة في “صوت مرتفع” :

تكمن المفارقة الصارخة في تقديم شخصيات توصف بـ “الخبراء” دون امتلاكهم لأي من الأدوات العلمية الأساسية؛ فلا هم يتقنون اللغة الفارسية التي تتيح لهم قراءة النبض الداخلي، ولا هم وطأت أقدامهم يوماً الجغرافيا الإيرانية لفهم تعقيداتها الميدانية. هذا الغياب للمرجعية المعرفية أدى إلى استبدال الدراسات الرصينة والتحليلات المحايدة بانطباعات شخصية عابرة، مما يفرغ التغطية الصحفية من محتواها ويحولها إلى مجرد “ثرثرة” سياسية تفتقر إلى المصداقية.

 

▪️ سيادة الأيديولوجيا على الحقيقة :

إن ما نشهده اليوم يتجاوز مجرد ضعف الكفاءة إلى “التبعية الإعلامية” الممنهجة. فبدلاً من تقديم رؤى علمية تساهم في فهم التوازنات في منطقة “الخليج الفارسي” ، يتم استدعاء ضيوف بناءً على “حدتهم الأيديولوجية” وقدرتهم على تجييش المشاعر الطائفية. هؤلاء لا يقدمون تحليلاً، بل يعملون كصدى لسرديات جاهزة تبثها قنوات إقليمية معينة، هدفها الأساسي الاستهلاك الجماهيري بدلاً من التنوير المعرفي.

 

▪️ مدرسة “الإثارة” وغياب المشروع :

وفي محاكاة لمدرسة “الضجيج” الإعلامي التي تعتمد على المشاحنات والصدام الصوتي (على غرار نهج فيصل القاسم)، تبرز وجوه إعلامية تعتمد أسلوب التهييج اللحظي. إن تشريح هذه الظاهرة يكشف عن خواء فكري تام، حيث يتم التضحية بالحقائق التاريخية والسياسية المعقدة مقابل تحقيق نسب مشاهدة عالية، وهو ما يساهم فعلياً في تضليل الرأي العام العالمي وتسطيح قضايا مصيرية لا تحتمل الارتجال.

 

إن استمرار المنصات الإعلامية في تصدير “محللي الصدفة” المشحونين بالتحيزات المسبقة، وتهميش أصحاب الاختصاص الحقيقيين، لا يمثل مجرد سقطة مهنية، بل هو تقويض للدور الأخلاقي للصحافة في تقريب المسافات وفهم الآخر بعيداً عن صراعات “الهوية” المفتعلة.

 

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.