في غياب الوعي الاجتماعي : ما هي حقيقة سرقة الغيوم؟

كتبه : محمد الحسين _ العراق

قد يبدو السؤال هنا غربياً بعض الشيء، أو ما يشبه في أننا نطرق الحديث عن مواضيع خيالية، ونتسائل في أمكانية حدوث مثل هذه الأمور، التي يكون إطالة الحديث فيها شيء لا يحمل الجدوى، حيث يمكن أن نختصر الطريق كله في عدد قليل من الكلمات ونقول أن هذا الموضوع كله خرافة من الألف إلى الياء.

 

الحديث عن المؤامرة، في مثل هذه الظواهر الطبيعية التي يسمونها بسرقة الغيوم تقنيا، وحتى لو كانت فيزيائيا، هو حديث مفروغ وليس صحيحا المطلق، فالقوانين الفيزيائية هي خارجة عن السيطرة البشرية، ولا يمكن للإنسان أن يروض قوانين الطبيعة لصالحه بقدر ما يمكنه أن يتكيف معها.

 

حيث يستطع الإنسان أن يبني سقفاً جيدا يحميه من المطر ولكنه لا يستطيع أن يمنع هطول الأمطار في منطقته، ويستطيع أن ينشيء حزاما اخضرا للحد من الغبار، وأن يزرع الأشجار المعمرة التي تمنحها الظل الدائم وتخفف عنه درجات الحرارة، كما يمكنه أن ينشيء تلا أو سدا يعصمه من السيول الفيضانات، ولكنه بالمجمل ومهما تطورت تقنياته لا يستطيع أن يمنع حدوث هذه الظواهر الطبيعية اطلاقا.

 

عندما شهد العراق ولأول مرة هطول كميات كبيرة من الأمطار في معظم المحافظات ومع انتهاء فصل الشتاء، سجلت هذه المنخفضات الجوية حالة ذعر وارباك في حسابات وعقول بعض الناس، خصوصا بعد موجة جفاف كبيرة عاشها العراق لفترة طويلة، وربط بعض السياسيين والمروجين هذا الأمر بعواقب الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية من أن هذه الأمطار نتيجة مفتعلة لفعل فاعل.

 

انتشرت العديد من المقالات والتحليلات في صحف ومواقع وقنوات مختلفة، تفسر وتشرح الظاهرة، وتتهم دول ما بسرقة الغيوم واستمطارها الحرمان دول أخرى منها، الأمر الذي يبدو أشبه بالمزحة أو الطرفة العلمية التي تستدعي البحث والتقصي عن حقيقة الأمر، وكشف زيفه للرأي العام.

 

نحن ندرك أن العراق يحظى بمناخ شبه جاف، وهو يتأثر بالمنخفضات الجوية التي تقدم من مناخ البحر الأبيض المتوسط، وهي تقطع آلاف الكيلومترات، متعرضة لضغط التيارات العالية في النظام الجوي المحكم الذي لا يتوافق مع الحدود الدولية، وفق ديناميكيا معقدة بالنسبة لفهمنا، مما يستحيل التحكم بها من قبلنا بأية تقنيات كانت.

 

نعرف أن الغيوم التي تمطر في منطقة حدودية وتمتد تأثيراتها لمنطقة متاخمة لهما في بلد مجاور، لا تستطيع هذه الدولة أو تلك حصر هذه الغيمة ضمن رقعتها، أو جرها لحدودها ومنع استمطارها في البلد المجاور، فالامطار (الغيوم) لا تسرق، ولا تساق أو تنحصر أو يستعجل هطولها، هذا الأمر معقد لدرجة ما ولا يمكن السيطرة عليه بأي وسيلة أو آلية، مهما تطورت المختبرات والنظريات العلمية وتقنياتها.

 

ما يحدث الان هو أمر طبيعي، وسقوط أمطار كثيفة في شهر أبريل وحتى مايو لا يفسر أنها كانت عبارة عن غيوم محتجزة في سماء دولة ما وفق نظرية المؤامرة، أي دولة كانت مهما على شأنها لا يمكنها أن تتحكم في موارد الطبيعة في السماء، وحدود قدرتها تنتهي على الأرض وباطنها بما تحمله من موارد خامات الطاقة، أما السماء وغلافها الجوي فلا توجد سياسة تتحكم به غير سياسة الفيزياء.

 

ومن جانب علمي يمكن أن نقول أن العراق يقع خلف منطقة جبال طوروس حيث تؤدي التضاريس عامل حاسم، لأنها تعمل كحاجز يرفع التيارات الهوائية الرطبة، مما ينتج عنه تبريد وتكاثف وهطول للأمطار في مناطق تركيا، وما يصل للعراق هو هواء أقل رطوبة، وهو “ظل مطري” وأيضاً بسبب تعرضه لارتفاع درجات الحرارة وزيادة التبخر، فيعتمد تأثره على الأمطار الشتوية الموسمية.

 

وبالتالي فإن ارتفاع درجات الحرارة الإقليمية، هو ظاهرة طبيعية للمنطقة يتغير على أثرها مسارات المنخفضات الجوية، وتزاداد التذبذبات بين السنوات الجافة والرطوبة، ويينتج بالمحصلة نشاط قوي للمنخفضات المتوسطية، وتموضع مناسب للتيار النفاث فوق سماء العراق، فتصبح عودة الأمطار أمرا كونيا طبيعيا، وليس بتأثير آلية ما.

 

في أساسيات علم المناخ، نفهم أن الغيوم تتكون من ملايين القطرات الدقيقة المرتبطة بتوازن حراري، وتمتد أفقياً من عشرات إلى مئات الكيلومترات، فيصبح في ادراكنا أن تفتيت سحابة واحدة على الأقل يتطلب طاقة تعادل نظاماً جوياً كاملاً، وليس مادة كيميائية يمكن أن ترش من الطائرات، أما الاستمطار الصناعي الذي يعتمد على مواد مثل بودرة يوديد الفضة، هدفه هو فقط تسريع تكوين قطرات المطر، وتأثيره محدود جداً، في نسبة ضئيلة ولا يمكنه خلق سحب أو منع المطر أو التأثير على غيوم في سماء دول أخرى.

 

وفي علوم الستاتيكا الكهربية حيث يُعد البرق تفريغاً طبيعياً للشحنات المتراكمة، وهو ضروري لمعادلة الفرق بين الشحنات في الغلاف الجوي والأرض، إذ تتولد كهرباء الغيوم (الكهرباء الساكنة) نتيجة تصادم بلورات الجليد وقطرات الماء داخل السحب الركامية، مما يؤدي إلى تراكم شحنات موجبة في الأعلى وسالبة في الأسفل، وعندما يزداد فرق الجهد بشكل هائل، ينهار العازل الهوائي ويحدث تفريغ كهربائي عنيف يُعرف بـ البرق، بين السحب نفسها أو بين السحابة والأرض

 

والبرق الذي يحدث نتيجة تصادم الغيوم يمكن أن ينتج عنه شرارة هائلة تحدث لمعادلة فرق الجهد، ويمكن أن تتجاوز شدة التيار فيها ثلاثة آلاف أمبير، ويمكن لبرقة واحدة أن تحمل طاقة هائلة، حيث تصل درجة حرارة مركزها إلى ثلاثين ألف درجة مئوية، وهنا نتسائل عن الآلية الخطيرة التي تنتج هذه التيارات الكهربية الهائلة وطرق تفريغها.

 

وإذ تتشكل السحب فإن هذه هي ظاهرة طبيعية بالكامل ولا علاقة لها بأي نشاط صناعي أو تقني، فالأمطار لا تسرق أو تنقل بين الدول أو يعاد توزيعها في الغلاف الجوي، أما الاستمطار فرغم كونه تقنية محدودة، لكنه ليس أداة للتحكم الكوني بالمناخ.

 

بالنتيجة فإن ربط الطقس بالأحداث السياسية أمر خطير على وعي الشعوب، مع غياب ثقافة العلم، وانعدام محددات وآليات تفسير الظواهر الطبيعية ونتاج سوء فهم تتحمله جهات ما، وتجاهل التفسير العلمي يقود إلى فهم خاطئ، وهو متعمد في بعض الأحيان، نجد أن الخطر ليس في سرقة الغيوم من السماء بل في سرقة الوعي من الشعوب.

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.