كاوبوي في كاراكاس: مقامرة ترامب المحفوفة بالمخاطر

كتبه : خسرو علي أكبر

لا يمكن وصف ما حدث في فنزويلا إلا بكونه مشهداً من حقبة غابرة، فأن يستيقظ العالم على خبر “اختطاف” رئيس دولة بأسلوب “الكوماندوز” هو أمر يعيدنا إلى زمن التدخلات العنيفة التي اعتقدنا أنها دُفنت مع نهاية الحرب الباردة. لكن في عالم دونالد ترامب، لا توجد قواعد اشتباك ثابتة؛ هناك فقط النتائج اللحظية والضجيج الإعلامي. والسؤال الذي يطرح نفسه بحدة فوق أنقاض السيادة الفنزويلية هو: ماذا بعد؟

لقد حاول ترامب، في مؤتمره الصحفي الأخير بفلوريدا، أن يرسم صورة لـ “انهيار منظم” في كاراكاس، موحياً بأن بنية السلطة المحيطة بنيكولاس مادورو قد تصدعت من الداخل. لكن الحقائق على الأرض، الممزوجة بتصريحات المتداخلين، ترسم صورة مغايرة تماماً: صورة للفوضى الارتجالية.

▪️المعارضة في “منطقة التسلل”

المفارقة الكبرى تكمن في موقف واشنطن من “حلفائها”. فبينما كانت زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو تعلن عن “لحظة الحرية”، جاءها الرد بارداً من البيت الأبيض. ترامب، وبأسلوبه المعهود في تحطيم الرموز، صرح بأن ماتشادو “لا تحظى بالدعم أو الاحترام” لقيادة البلاد. هذا التصريح ليس مجرد إهانة لحليفة مفترضة، بل هو اعتراف صريح بأن واشنطن قامت بـ “قطع الرأس” دون أن يكون لديها بديل جاهز للجسد.

إن غياب “الحاضنة الشعبية” للمعارضة، رغم ما تروج له بعض المنصات الإعلامية من مظاهرات احتفالية (تبين لاحقاً أن معظمها في ميامي لا في كاراكاس)، يضع الإدارة الأمريكية في مأزق أخلاقي وسياسي. فكيف يمكن “إدارة البلاد” -كما وعد ترامب- دون وجود عسكري مكثف على الأرض، ودون نخب محلية قادرة على الاستلام والتسلم؟

الصمود البيروقراطي والشرعية المفقودة
على مقلب السلطة، لم يبدُ أن النظام الفنزويلي قد استسلم. نائبة الرئيس، ديلسي رودريغيز، لم تؤكد صمود المؤسسات فحسب، بل كذبت علناً ادعاءات التعاون مع ماركو روبيو. وفي خطوة قانونية لافتة، عينت المحكمة العليا رودريغيز رئيسة مؤقتة بوصف مادورو “رئيساً مختطفاً”، وهو مخرج دستوري ذكي يُبقي الباب موارباً أمام عودة الرجل، ويحرم واشنطن من حجة “الفراغ الدستوري”.

هذا الصمود يشير إلى أن “المؤامرة الشاملة” التي كان يأملها ترامب لم تكتمل أركانها. لم يخرج الجيش ليعلن الولاء لواشنطن، ولم تنهار مؤسسات الدولة بضربة واحدة. ما حدث كان ضربة جراحية ناجحة تقنياً، لكنها فاشلة سياسياً حتى الآن.

▪️استراتيجية “النفط أولاً”

من الناحية الجيوسياسية، يبدو أن المحرك الأساسي لهذه المغامرة ليس “الديمقراطية” بل “الخام”. تصريح ترامب حول فتح المجال لشركات النفط الأمريكية هو لب الموضوع. لكن الطموح الاقتصادي يصطدم بواقع عسكري معقد. فالولايات المتحدة، التي يخشى ديمقراطيوها وحتى بعض جمهورييها (مثل السناتور مايك لي وتشاك شومر) من تبعات هذه “البلطجة” الدولية، تجد نفسها في وضع غريب: لديها “الغنيمة” في الأسر، لكنها لا تملك مفاتيح “المخزن”.

▪️الاستنزاف هو البديل

لقد نجح ترامب في توجيه ضربة خاطفة، لكنه فشل في تقديم رؤية لما بعد السقوط. في غياب انقلاب عسكري كلاسيكي أو ثورة شعبية حقيقية، تبدو فنزويلا مرشحة لمواجهة طويلة ومستنزفة. إن محاولة إدارة دولة من الخارج، مع تجاهل القوى الحية على الأرض، هو وصفة كارثية جربتها واشنطن سابقاً في مناطق أخرى ولم تحصد سوى الفشل.

فنزويلا لا تزال تتنفس برئة “المادورية”، والولايات المتحدة قد تجد نفسها عالقة في وحل أمريكي لاتيني جديد، حيث “الاختطاف” أسهل بكثير من “الحكم”.
هل تود مني إجراء أي تعديلات على نبرة المقال أو إضافة محاور أخرى تتعلق بردود الفعل الدولية؟

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.