ليست الأشواك تجرحنا || الشاعرة السورينامية استريد رومر

ترجمة واختيار : مهدي النفري _ هولندا

رحلت عن عالمنا في الثامن من يناير 2026 في مدينة باراماريبو الكاتبة والشاعرة السورينامية-الهولندية الكبيرة أستريد رومر. وتُعد رومر واحدة من أهم الأصوات الأدبية في اللغة الهولندية، حيث كانت أول كاتب من منطقة الكاريبي يفوز بـجائزة الآداب الهولندية المرموقة. تميزت أعمالها بجرأة استثنائية في طرح قضايا الهوية، والمنفى، والعلاقات الإنسانية المعقدة.

▪️▪️▪️
مختارات من اشعارها

1 _ حانَ الوَقتْ

تَموتُ أُمي
فَتَنكسرُ في داخلي أشياءْ
لا أعرفُ ما هي
ولا أعرفُ أينَ هي
لا أستطيعُ الوُصولَ إليها.
سكونٌ مُرعبٌ يسكنني الآن
تماماً كما حدثَ في الماضي
حينَ سقطتُ عن الأرجوحة وتجبّرت ذراعي.
كنتُ في التاسعةِ حينها
وقتها قالت لي أمي
لا تلمسيها يا طفلتي
جَسدُكِ الصغيرُ سيهتمُّ بالأمر.
الشفاءُ يحدثُ من الداخلِ
ويحتاجُ وقتاً
وقتَ التقويم، ووقتَ الساعة
وأضافت أمي
إنهُ وقتُ الجَسد.
واليوم
ترنُّ أجراسٌ في داخلي.

2_ أيها الشاعِرُ الشاعرُ.. يا آخرَ سُلالتِك

يَعرفُ هو شُقوقَ النَّهارْ
لأنهُ يَتوقُ إلى الظَّلامْ
وحينَ يَهبطُ الضَّبابُ
يَرتدُّ إليهِ صَدى صَمتِ الصَّباحْ.
في دَاخلهِ تَنهضُ حَبيبةٌ واحدة
تُقبلُ فَمَهُ، وتُقبلُ يَدَهُ،
حتّى الشَّمسُ لا تَعلمُ شيئاً عن ذلكَ الاحتراقْ
بينما يَتلاشى كلُّ ما هو حَقيقيّ
الحِبرُ، الحَرفُ، والفِكرة،
الذِّكرى، وحُلمُ المستقبلْ،
أوجاعُ الليالي الطويلةِ الباردة،
وعَرقُ الكَدحِ الذي يشبهُ خُبزنا اليومي.
هو يَعرفُ رغبةَ حبيبتهِ
كيفَ تَقودُهُ بلينٍ إلى الغِناءْ
بمرارةٍ حُلوة وبِمسٍّ من الجُنونْ
تتوسلُ إليهِ الكلماتُ لِيمنحَها نَفساً في شقوقِ الليلْ
وبينما يترقبُ سكونَ الظَّلامْ
يَسكرُ الشاعرُ بضحكاتِ الأطفالْ
آه أيُّها الشاعِرُ أنت بلا سُلالة.

3_ لوحةٌ شخصية (1990)

أَراها في المَرايا
في وجهِها شَرخٌ يَمضي معها
تَحملهُ في كلِّ ساعةٍ تمرّ
وهو الوشمُ الذي يَدلُّ على عُمقِ حياتِها.
هو أثرُ يومٍ مكسورٍ
يَتركُ نُدوباً في دوائرِ الروح
تَشعرُ بنفسِها تَهدأُ وتَنْكمش
مع كلِّ منعطفٍ يأخذهُ الزمان.
العُنفُ يلاحقُها بلا توقُّف
يأتيها في كلماتٍ مُشتتة
فهي تدركُ أنَّ الخيالَ يَنبضُ بالحياة
وأنَّ الوجعَ يلتصقُ حتى بالجماد.
تُلقي بالحقائقِ في النّيرانْ
فعناوينُ الصُّحفِ لا وجهَ لها
والصورُ تلمعُ بالألوانِ والحكايات
آهٍ من الحُب يَموتُ ثم يَموت
فتنثرُ رمادَهُ فوقَ مياهِ البحر.
الماءُ يبتلعُ الحُطام
والنارُ تأكلُ من جِلدِها
تتنفَّسُ القسوةَ شهيقاً وزفيراً
وفي زحمةِ العمر
يُضيءُ الفرحُ أحياناً وينطفئُ كثيراً.
هكذا تكتملُ صورةُ الإنسانْ
مزيجٌ من الضحيةِ والبطلِ والجلاد
إنسانٌ في وجهِهِ ذلكَ الشَّرخ
تراهُ عَبْرَ السنينِ وتصيح هذهِ أنا .

4_ لَيستِ الأشواك

لَيستِ الأشواكُ يا أُمي
هيَ التي تَجرحُني حينَ ألمسُ الثمارْ
بل هيَ رائحتُها.
تلكَ التي تُوقظُ الجوعَ في داخلي
وتَهزُّ أعماقَ رَحمي.
لَيستِ الأشواكُ يا أخي
هيَ التي تركتْ نُدوباً على أطرافي
بل هيَ لَمستُها
تلكَ التي تَبرقُ في جِلدي كالصاعقة
فتُهونُ عليَّ وعلى الجلادِ سكراتِ الموت.
لَيستِ الأشواكُ يا أُختي
هيَ التي تَجعلُ عينيَّ تتوهجانِ بالألمْ
بل هوَ رَحيقُها
ذاكَ الذي يَجري في جَسدي
يُطهرُني ويُقويني كالصَّبرِ المرّ.
لَيستِ الأشواكُ يا أبي
هيَ التي تَجعلُ صَوتي يَنكسرُ فَرَحاً
بل هوَ طَعمُها
ذاكَ الذي يُحلي مَرارةَ روحي
ويُحولُ ماءَ دمي إلى نبيذ.
لَيستِ الأشواكُ يا طفلي
هيَ التي تَجرحُني حينَ ألمسُ الثمارْ.

5_ عَدا أنَّ ضِحكتَك

تَلمعُ كأعمقِ بُحيرةٍ في الوجود
يَهوي في سكونِها نيزكٌ وحيد
هناك نَقاءُ بشرتِك
سوادُها الزِّنحيُّ المتألق
كخشبِ السوس الذي صقلتْهُ الرياح
بينما تلهينَ كالملاكِ تحتَ الشمسِ يا حُبِّي.
ليسَ الأمرُ في انحناءِ صَدرِكِ
ولا في تماوجِ خَصْرِكِ
ولا في الحذرِ الذي يسكنُ عينيكِ
ولا في الشكِّ الذي يرتجفُ في صوتِكِ
بل هو طَعمُ فَمِكِ
ورديٌّ ورطبْ
كأنهُ مَنحوتٌ من قلبِ الحياة ومُعافى بماءِ الوجود.
ليست حرارةُ جسدِكِ
ولا قوةُ كبريائكِ
ولا الإيقاعُ الذي يملأُ خُطاكِ
ولا الأغنيةُ الحبيسةُ في لسانِكِ
بل هو عُراءُ يدِكِ يا حُبِّي
أرجوانيّةٌ ومفتوحة
كأنها عُصرتْ من قلبِ النخيل وختمَها المطرْ
بينما تلهينَ كالملاكِ تحتَ الشمس.
عدا أنَّ ضِحكتَكِ
تَلمعُ كأعمقِ بُحيرةٍ في الوجود
يَهوي في سكونِها نيزكٌ وحيد.

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.