دافوس : “يوقظ” أوروبا بصفعة .. ترامب والبلطجة فوق الثلوج!

كتبه : محمد الأمين الكرخي

لم يكن ما جرى في “دافوس” مجرد خطاب لرئيس أمريكي يستعرض أرقام نموّ اقتصاد بلاده، بل كان حفلة “تأديب” علنية، وقف فيها دونالد ترامب ليجلد القارة العجوز أمام شاشات العالم. بوقاحة “السمسار” الذي لا يرى في الحلفاء سوى أرقام في دفتر حساباته، خرج ترامب ليقول للأوروبيين بوضوح: زمن الرعاية المجانية انتهى، وعليكم الآن دفع ثمن بقائكم تحت الهيمنة الأمريكية.

▪️”بيزنس” الجليد والسيادة المسلوبة

تحت عنوان “تلقين أوروبا درساً”، لم يتورع ترامب عن ممارسة “البلطجة الجيوسياسية” في أوقح صورها. حديثه عن جرينلاند بوصفها مجرد “قطعة من الجليد” يشتهيها لحماية العالم، ليس إلا تجسيداً لعقلية الاستعمار الجديد. أما تهديده للدنمارك بالقول إنهم “سيستسلمون أو سنحرمهم منها”، فهو يسقط ورقة التوت عما يُسمى “السيادة الوطنية” في قاموس الناتو. بالنسبة لترامب، الجغرافيا هي سلعة، والحدود هي مجرد خطوط يرسمها الأقوى بدم بارد.

▪️أوروبا “الخادمة” والابتزاز المفتوح

في دافوس، عاد ترامب ليعزف على وتر الابتزاز المالي. صرخته في وجه الناتو: “نحن نعطي الكثير ولا نحصل إلا على القليل”، هي رسالة مشفرة لكل العواصم الأوروبية بأن أمنكم هو بضاعة أمريكية، ومن لا يدفع “الأتاوة” المطلوبة، فعليه أن يواجه مصيره وحده.
ومع ذلك، تخرج علينا جوقة “الوسطاء” من أمثال مارك روتة، ليصوروا لنا الاتفاقات الهزيلة حول تجنب الرسوم العقابية وكأنها نصر دبلوماسي. الحقيقة أن روتة وغيره لا يمارسون “الوساطة”، بل يديرون عملية الانبطاح المنظم أمام غطرسة البيت الأبيض، محاولين تقليل الخسائر في زمن لا يعترف فيه واشنطن بغير القوة.

▪️وهم “الترامبية” وحقيقة الاقتدار

يخطئ من يظن أن ترامب يتحدث من فراغ. نعم، هو يمارس “المناورة” ويطرح الأوهام وكأنها أمر واقع، لكنه يفعل ذلك من نقطة “الاقتدار” التي تمنحه إياها القوة العسكرية والاقتصادية الأمريكية. وهنا تكمن المفارقة؛ فالولايات المتحدة في عهده لا تبحث عن حلفاء، بل عن “أتباع”.
وعندما يخرج المستشار الألماني ميرتس ليحذر من أن “النظام القديم يتفكك”، فإنه في الواقع ينعى جثة “أوروبا الموحدة” التي فقدت قدرتها على الرد. ميرتس يقرأ الواقع بمرارة: العالم اليوم محكوم بمنطق القوة، وأوروبا التي “تخلصت من التبعية” التي تضعفها -حسب زعمه- لا تزال تتلمس طريقها في عتمة الهيمنة الأمريكية، تارة بالخوف وتارة بالاستجداء.

▪️و الدرس الذي لن يفهمه العجائز

قاله ترامب صراحة: “قادتكم لا يفعلون شيئاً”. وهي الجملة الوحيدة الصادقة في خطابه الطويل. إن القارة التي اعتادت النوم في “فيء” المظلة الأمريكية، تستفيق اليوم على صفعات رئيس لا يرى في باريس وبرلين ولندن سوى “محميات” يجب أن تدفع الجزية.

مقالات قد تعجبك
1 Comment
  1. Bernice874 علق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.