إسبانيا تواجه “لحظة محاسبة” بعد سلسلة من كوارث السكك الحديدية الدامية

متابعة | مدار 24

لسنوات طويلة، كانت الشبكة الحديدية في إسبانيا تُعد “جوهرة التاج” في البنية التحتية الأوروبية؛ فخرٌ وطني يربط المدن الكبرى بقطارات فائقة السرعة تتسم بالدقة والرفاهية. ولكن في غضون ثلاثة أيام فقط من شهر يناير الجاري، تحولت هذه الثقة العمياء إلى حالة من الهلع الوطني، بعد سلسلة من الحوادث التي تركت البلاد في حالة ذهول وأثارت تساؤلات حارقة حول مدى سلامة هذا النظام.

 

▪️أسبوع من الرعب

بدأ الكابوس يوم الأحد، عندما شهدت السكك الحديدية الحديثة ما وصفه الخبراء بأنه “فشل تقني غير مسبوق”. اصطدام مروع لقطار فائق السرعة أسفر عن مقتل 43 شخصاً، محولاً عربات القطار اللامعة إلى ركام معدني في لحظات. لم تكن هذه مجرد حادثة، بل كانت طعنة في قلب الطموح الإسباني الذي دفع بـ 550 مليون راكب العام الماضي لاستقلال القطارات وهم يشعرون بأمان تام.

ولم يكد الغبار يستقر حتى وقع الحادث الثاني يوم الثلاثاء بالقرب من برشلونة. قطار ركاب محلي (Cercanías) اصطدم بجدار ساند منهار بالقرب من نفق مظلم. ورغم أن العناية الإلهية حالت دون وقوع وفيات في هذا الحادث، إلا أن وجود خمسة أشخاص في كابينة القيادة لحظة الاصطدام سلط الضوء على حالة “الفوضى” التي بدأت تتسلل إلى القطاع.

 

▪️أزمة صيانة أم طموح مفرط؟

خلف الستار، يشير المحللون إلى أن التصدعات في نظام السكك الحديدية الإسبانية ليست تقنية فحسب، بل هي هيكلية ومادية. فبينما كانت الحكومة تروج لسياسة “تذاكر القطار الرخيصة” (التي تصل أحياناً إلى 19 يورو للرحلات الطويلة) لتعزيز التنقل الأخضر، كانت شركات التشغيل مثل Renfe وشركة البنية التحتية Adif تعاني من خسائر مالية فادحة.

يرى النقاد أن التركيز على التوسع السريع وخفض الأسعار جاء على حساب “الاستثمار في الصيانة الأساسية”. وتقول نقابات العمال، التي دعت إلى إضراب شامل في أوائل فبراير، إن هذه الحوادث كانت “مأساة منتظرة” نتيجة نقص الاستثمار المزمن في الخطوط الثانوية والأنظمة الأمنية.

 

▪️أشباح الماضي تعود

بالنسبة للإسبان، أيقظت هذه الحوادث ذكريات مؤلمة كانت البلاد تحاول نسيانها؛ من كارثة “سانتياغو دي كومبوستيلا” في 2013 التي أودت بحياة 79 شخصاً، وصولاً إلى تفجيرات مدريد عام 2004. لكن الفرق هذه المرة هو أن الخوف نابع من “داخل النظام نفسه”، وليس من عوامل خارجية.

 

▪️”الثقة المزعزعة”

تقف الحكومة الإسبانية الآن أمام تحدٍ هائل. ففي الوقت الذي تحاول فيه إقناع العالم بأن السفر بالقطار هو البديل المستقبلي للطيران، فإن الصور القادمة من مواقع الحوادث تحكي قصة مختلفة. لم يعد السؤال الآن هو “متى سيصل القطار؟”، بل أصبح “هل سنصل بسلام؟”.

ستكون الأسابيع القادمة حاسمة بالنسبة لمستقبل النقل في إسبانيا، حيث ستبدأ التحقيقات الرسمية في الكشف عن مكامن الخلل، بينما يستعد الركاب – الذين اعتادوا الصعود إلى القطارات بـ “ثقة عمياء” – للبحث عن بدائل أكثر أماناً.

مقالات قد تعجبك
1 Comment
  1. Porn Tude علق

    How are you?

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.