الكاتبة والشاعرة الهولندية بيا فيانين || مختارات من أشعارها ونصوصها النثرية
اختيار وترجمة : مهدي النفري _ هولندا
◼️ المقدمة
“أحياناً تراودني أحلامٌ بهية أحلمُ بأنني في طريقِ رحيل وأنَّ كلَّ شيءٍ هناك مختلفٌ تمامًا.”
بيا فيانين (١٩٣٥ _ ٢٠١٩) الكاتبة التي بحثت عن الحرية بين وطنين .. “لم أكن أبحث عن طريق للعودة كنتُ أبحث عن لغة تتسع لامرأة قررت ألا تكون ظلاً.”
▪️متمردة الكاريبي .. صوتٌ يرفض القيود :
لم تكن بيا فيانين مجرد كاتبة عادية بل كانت صوتاً شجاعاً غير وجه الأدب في بلدها سورينام. ولدت في عام 1935 ونشأت في بيئة تجمع بين أصول وأعراق مختلفة مما جعلها تشعر دائماً أنها تنتمي للعالم كله وليس لمكان واحد. هذا الشعور هو ما جعل كتاباتها مرآة لكل إنسان يبحث عن نفسه بعيداً عن قيود المجتمع.
▪️”أنا هي سورينام” .. صرخة من أجل الاستقلال :
في عام 1969 أصدرت روايتها الشهيرة (سورينام أنا) في هذا الكتاب لم تتحدث بيا عن السياسة بالخطابات الجامدة فقط بل تحدثت عن حرية الإنسان. دافعت عن حق المرأة في اختيار حياتها وسفرها وقراراتها، واعتبرت أن الوطن الحقيقي ليس هو المكان الذي نولد فيه فقط بل هو المكان الذي نكون فيه أحراراً حقاً.
▪️الكتابة بلغة مختلفة ونبض واحد :
واجهت بيا تحدياً كبيراً وهو الكتابة باللغة الهولندية (لغة المستعمر في ذلك الوقت) لتعبر عن أوجاع وأحلام شعبها في سورينام. لكنها نجحت في أن تجعل هذه اللغة دافئة وقريبة من الناس فكانت تملأ نصوصها برائحة شوارع بلادها وصور الطبيعة الاستوائية لتثبت أن المشاعر الإنسانية أقوى من أي لغة.
▪️لماذا نتذكرها اليوم؟
رغم رحيل بيا فيانين في عام 2019 إلا أن كلماتها ما زالت حية لأنها لمست قضايا تهمنا جميعاً، البحث عن الانتماء ذلك الشعور بأننا غرباء أحياناً حتى وسط أهلنا، قوة المرأة، إصرارها على أن يكون للمرأة صوت مسموع ومستقل، الأمل في التغيير، الإيمان بأن الكلمة يمكن أن تكسر جدران العزلة والظلم.. لقد علمتنا بيا فيانين أن الكتابة هي أجنحة نطير بها فوق كل الصعاب وأن الحرية تبدأ من الداخل أولاً.
______________________________________
◼️ مختارات من أشعارها :
1_ يدانِ هائلتان
يَدانِ هائلتانِ
أودُّ لو أملكُهما
لأتسلّقَ فوقَ حدود جسدي
وأكتبَ فوقَ شاهقِ الأبراجِ
عن أشياءَ مَرِحةٍ تُغنّي.
لكنَّني بلا يدين
لا يسعُني إلا عِناقَ ما فقدتُه
عِناقَ خساراتِ الجميع.
أمامَ مرايا الماءِ الشاسعةِ في الـسافانا
أودُّ لو أُبادلُ عينيَّ
لأجرَعَ بنهمٍ ضوءَ الليمون
لأصطادَ النورَ في قلب العَتْمة
وأجدَ كلَّ ما فقدتُه.
لكنَّ عينيَّ عاديتانِ جدًا
لا تُبصرانِ فارقًا في الحبّ
حينَ يحولُ بيننا الظلام.
2_ موقف
كَمْ هيَ الأشياءُ التي عَجَزتُ عن نَيْلِها
بينَ صَدٍّ ونبذٍ وإقصاء
لكنني في كلِّ ما صَنعتُ وما هدمتُ
لم أفعلْ إلا ما أردتُه لنفسي.
فلا لومَ يقعُ على عاتقِ أحد
ولم أمنحْ إنسانًا الحقَّ
في أن يتدخلَ في شؤونِ أفعالي
تلكَ التي تَنفذُ إلى أعماقي أبعدَ بكثيرٍ من مجردِ مَسِّ الجلد.
منذُ زمنٍ غابرٍ
كان للحبِّ وجود
كان ثوبًا طاهرًا
شِعابًا مرجانيةً أو جزيرةً نائية.
بعيدًا عن ضجيجِ الثرثرةِ والأكاذيب
كان ينسابُ كقاربٍ خشبيٍّ رقيق يمضي مع التيار
ثمَّ ذاتَ صباحٍ استيقظتُ
والصمتُ قد غُرِزَ كالشَّوكِ في حنجرتي
رأيتُ الغرفَ شاخصةً بذهولٍ غريب
ومِن رَحمِ ذلكَ الذهول وُلِدَ حجر.
3_أَنْ أَكُون
أَنْ أَكُون
نسمةً من عطرِ زهرِ البرتقال
للحظةٍ واحدةٍ فقط
لكنها تكفي
لتوقظَ في أعماقِك جوقةَ عصافير صاخبةً.
كأنَّ الأوركسترا بمفاتيحِها وأقواسِها وأعناقِ آلاتِها
قد انبعثتْ من مكمنها بين الجذوع.
أَنْ أَكُون
برتقالاً يرقصُ في حلقةٍ واسعةٍ من الأشرطة
يداً ترنُّ ويداً تتساءل
أن أتملّكَ ذاتي بابتسامةِ مالكٍ
يجوبُ أراضٍ غريبة.
4_كِلتا يَدَيّ
كِلتا يَدَيَّ في قبضتِكَ المحكمة
بينما في مخيلتي
أرسمُ خطاً عريضاً أضعُ به حداً لنفسي.
الأشجارُ والصمتُ يدركانِ تماماً
مَن هو الكاذبُ الأكبرُ بيننا
فلتكنْ كلُّ تلكَ الأشياءِ مجردَ ذكريات
فأنا لم أستطع يوماً نسيانَك.
وبعد أن تقفّيتُ أثرَ كلِّ الزوايا المفقودة
أيقنتُ أنكَ لا تزالُ تنتمي إليّ
فأحكِمْ قبضتَكَ عليَّ إذن
لكنني ومن دونِ أن تشعر
قد رسمتُ خطاً عريضاً ووضعتُ حداً لكل شيء.
5_منحدر 56
رائحةُ خشبٍ يحترقُ في أنفي
شجرةٌ عملاقةٌ صامدةٌ هناك
كنا معاً للمرةِ الأولى
ألم أكن أقفُ بشعرٍ مبعثر ملتصقاً بك تماماً؟
أفواهنا
بحثتْ
ووجدتْ. لا، لم أكن واقفاً
بل كنتُ جاثياً صامداً كالشجرةِ العملاقة.
رائحةُ الشوقِ في أنفي
استسلامٌ جامحٌ وشعرٌ ثائر.
مُمددانِ هناك بأنفاسٍ لاهثة معاً
والعشبُ من حولنا عشبٌ كثير
حتى عادت عينايَ لتقرأَ ملامحَ المدى.
6_بين نهديّ السافانا
بين نهديّ أرض السافانا
شربتُ أكاذيب القمر
خلعتُ القناع
وداعاً للشباب
وداعاً يغالبني النعاس
أنا مُتعب
صرختُ طويلاً أكثر مما أحتمل
بحثاً عن حقيقة دمي
لكنني لم أجدها
ومع ذلك لديّ يقينٌ واحد
أن من يخسر في القصائد هو الرابح
إذن اشقّيني يا أرضُ
اشقّيني
فأنا ما زلتُ حيّاً
__________________________________
◼️ مختارات من رواياتها :
1_ مقاطع من رواية “سورينام أنا”
كنتُ أسير في شوارع باراماريبو والبيوت التي أعرفها بدت لي وكأنها وجوه غريبة لا تبتسم.
كيف يمكن للمكان الذي أسميه وطناً أن يشعرني بكل هذا الضيق؟
وكيف يمكن للحرارة التي تسكن جسدي أن تكون أكثر برودة من ثلوج لم أرها بعد؟
٠٠٠
في بيوتنا تنمو الأحلام كالأعشاب الضارة
الجميع يحاول اقتلاعها قبل أن تزداد طولاً وتكشف عورة الواقع. كان عليهم أن يفهموا أن حلمي ليس تمرداً عليهم بل هو طريقتي الوحيدة لأتنفس وسط غبار التقاليد الذي يملأ رئتيّ.
٠٠٠
أمرٌ كهذا لا يقعُ للمرءِ إلا مرةً واحدة. والمرةُ الأولى دائماً هي الأشدُّ إيلاماً لا توجدُ إلا مرةٌ واحده
٠٠٠
يا لها من دوامة هي الأحداثُ عينُها تعيدُ تكرارَ ذواتها في كلِّ مرة.
٠٠٠
عليها أن تطردَ لغزَ جدَّيْها من رأسِها فلا يجبُ أن تغرقَ في التيهِ من جديد ولا تريدُ أن يستبدَّ بها الحقدُ ثانيةً. إنها بحاجةٍ ماسةٍ لكلِّ ذرةِ تركيزٍ لتلتفتَ إلى دروسِها.
2_ مقطع من كتابها “مستلقية تحت رباط الجورب”
أكتبُ بالهولندية لكن قلبي ينبض بلغة الغابات والأنهار في سورينام.
الكلمات الباردة تحاول أن تشرح احتراق الروح تحت شمس الكاريبي.
3_ مقاطع من رواية “قفص العقاب”
نحن نعيش في صناديق زجاجية نرى بعضنا البعض، نبتسم لبعضنا البعض، لكننا لا نلمس أحداً حقاً. كل واحد منا سجينُ طائفته، سجينُ لونه، وسجينُ خوفه من الآخر. نحن لا نبني وطناً، نحن نبني جدراناً ونسميها انتماءً.
….
منطقة العقاب الكبرى أرضُه هو. كيف يعقل أن تكون سورينام جزءاً من أمريكا الجنوبية؟ إنها تقف بمعزلٍ عنها. بمعزلٍ عن كل شيء. منبتّةٌ عن مجريات العالم بأسره. بلدٌ صغيرٌ متخلف. أناسٌ جُبناء، غارقون في جهلهم، يملؤهم الذعر. بشرٌ لا يريدون أن يفهموا حتى الآن أن لقمة العيش هي أبسط أبجديات الحياة، ولذلك تراهم يرتجفون خوفاً من غدِهم.
٠٠٠
كان الجميع ينتظر شيئاً
ينتظرون السفينة، ينتظرون التغيير، ينتظرون المعجزة. أما أنا، فقد أدركتُ أن المعجزة الوحيدة هي أن تتوقف عن الانتظار وتبدأ في المشي، حتى لو كان الطريق خلفك يحترق وأمامك مجهول لا ملامح له.
٠٠٠
عدتُ إلى باراماريبو لأبحث عن الطفلة التي تركتها هناك لكنني وجدتُ امرأة غريبة تشبهني، تقف على ضفة النهر وتنتظر طوفاً لن يأتي. أدركتُ حينها أننا لا نعود أبداً إلى نفس المدن لأن المدن تتغير والقلوب التي غادرتها لا تعود أبداً كما كانت.
٠٠٠
كان نهر سورينام يجري هادئاً
كأنه يبتلع كل الحكايات الحزينة التي ألقيناها فيه. نظرتُ إلى الماء وقلتُ في نفسي نحن لسنا سوى أخشاب طافية يظن كل منا أنه يقود رحلته بينما التيار هو الذي يقرر أين سنرسو في النهاية.
٠٠٠
لماذا نتمسك بالأرض التي تؤلمنا؟
لأننا نخشى أن نكون بلا ظل تحت شمس غريبة. في الطواف الأخير الأخير اكتشفتُ أن الغربة ليست في البعد عن الوطن بل في القرب من أشخاص توقفوا عن فهم لغتنا الداخلية.
٠٠٠
كنتُ أشعرُ حقاً أني سوريناميٌّ حتى النخاع. ومن المؤسفِ ألّا يتبقى من ذلك الشعورِ إلا النزرُ اليسير بمجردِ عودتك. فمشاعركَ هناك تُقتَلُ بشكلٍ منهجيّ.
٠٠٠٠
إياكَ أن تثق بهم. لا تظنَّ أنهم مخلصون حين يضاحكونك ولا تحسبنَّهم صادقين حتى في غضبهم. لا يعنون شيئاً مما يقولون. أبداً. لذا يا أخي،لا تُلقِ لهم بالاً فحتى طيبتهم المزعومة هشةٌ لا ستر لها، ما هي إلا ذئابٌ في جلودِ حِمَال.
المعضلةُ أنك لا تدركُ أبداً ما يضمرونه لك.وصدقني إنَّ الشعور الوحيد الذي يمكنهم حشده تجاه رجلٍ أسود هو الاحتقار أو الشفقة. أما أنا فما عدتُ أثقُ بأيِّ هولنديٍّ كائناً من كان إنهم يجهزون عليك في كل الجبهات
4_ مقطع من مذكراتها :
جسدي لم يكن ملكي أبداً في تلك البلاد
كان ملكاً للعائلة، ملكاً للكنيسة، وملكاً للشارع. لم أشعر بملكيته إلا عندما وقفتُ على سطح السفينة والريح تضرب وجهي، هناك فقط أدركتُ أن جلدي هو حدودي الوحيدة، وأن روحي هي سيدة الموقف.
5_ مقاطع من رواية “آكلُ، وآكلُ، حتى لا أعودَ قادراً على المزيد”
لماذا عدتَ للظهورِ ثانيةً يا جدي؟
بالطبع أنا أعرفُ السبب. غير أنَّ الأمرَ كان مختلفاً بيننا في الماضي
حينها كنتُ أبحثُ عنكَ بنوعٍ من المثالية الطفولية مستسلماً لجاذبية تصوفك ولألحانك الشجية التي تترنمُ بالحب والآلهة.
كنتُ أنشدُ أثركَ عند إسطبلات (رابيندراناث) حين كنتُ أذهبُ لدفعِ الإيجار ثم أبتاعُ من السوق كتاباً في علم الكف من رجلٍ عجوزٍ دمثِ الخلق فقط لأني وجدتُ في ملامحهِ شبهاً منك أو على الأقل هكذا كنتُ أتخيلُ وقارك في تلك السن.
كنتُ أستشعرُ طاقتك ونبضات قلبك في قرقعة طبول (الدول والتابلا) وفي خيالي، كنتُ ألمحُ طيف ظلك تحت ظلال شجيرات الجامون الوارفة الممتدة بين حقول الأرز في تلك النواحي.
٠٠٠
مستلقيةً على سريرها
كانت تشخصُ بصرها نحو وجوهٍ غضّة تبادلها هي الأخرى نظراتٍ جامدة من قلب مشهدٍ غريب. رجلٌ وامرأة يقفان أمام جدارٍ حجريٍّ رماديّ. أكان ذلك في مركز الترحيل؟ أم في كلكتا؟
وجوههما التي غطت الظلالُ أجزاءً منها بفعل أغصان شجرةٍ وارفةٍ تطلُّ من خلف الجدار تعطي انطباعاً حزيناً بأنهما غريبان لا ينتمي أحدهما للآخر. كانت وقفتهما متكلفة تفتقرُ إلى العفوية. أما وجه (جاناكيا)المنصرفُ بعيداً عن الشاب (هارينارين) فكان مستديراً بملامح طفولية. وعيناها الشبه مغمضتين ربما اتقاءً لسطوع الشمس كانت ترنو بخواءٍ نحو المصور أو لعلها كانت تحدق في فراغٍ ينذرُ بالشؤم.
