بغداد – مدار24 | بعد نجاح الإنتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة دخلت الدولة العراقية في نفق الجمود السياسي مرة أخرى، وأظهرت عجزاً سياسياً عقيماً كان يطاردها منذ عام 2003م حيث تتصاعد المخاوف من تحول الاستعصاء الحالي إلى فراغ دستوري، بعد أن تجاوزت الكتل السياسية كافة المدد الدستورية الملزمة لاختيار رئيس جمهورية جديد، وهو المفتاح الدستوري الوحيد لتكليف رئيس وزراء جديد وتشكيل الحكومة القادمة. وعلى الرغم من أن الدستور العراقي قد حدد مهلة 30 يوماً لانتخاب رئيس الجمهورية (وفق المادة 70 من الدستور)، إلا أن البرلمان العراقي وبعد أنتهاء المهلة فشل للمرة الثالثة في عقد جلسة مكتملة النصاب، وهذا التعثر وضع البلاد أمام حالة من الفراغ، إذ تعيش الدولة حالياً تحت رحمة حكومة تصريف أعمال يومية محدودة الصلاحيات، في وقت يزداد فيه الضغط الشعبي والدولي. كما يبرز الخلاف الكردي-الكردي في المقدمة، حيث لا يزال الحزبان الرئيسيان (الديمقراطي والاتحاد الوطني) عاجزين عن تقديم مرشح موحد لمنصب رئيس الجمهورية، وهو ما يعطل الجلسة البرلمانية التي يتطلب نصابها حضور الثلثين (220 نائباً). أما صراع “الإطار التنسيقي” وهو الكتلة الأكبر في البرلمان، والذي يتجدد وبانقسام حاد حول هوية رئيس الوزراء القادم. فبينما يصر ائتلاف “دولة القانون” على ترشيح نوري المالكي لولاية ثالثة، تبرز معارضة داخلية من أطراف أخرى في الإطار تفضل “مرشح تسوية” لتجنب الصدام مع الشارع أو القوى الإقليمية والدولية. وقد دخل العامل الدولي بقوة في خط الأزمة، خاصة بعد موجة الغضب والأمتعاض من تصريحات إدارة ترامب التي ألمحت بوضوح إلى رفض ترشيح شخصيات جدلية، وبفرض عقوبات أو مراجعة العلاقة مع العراق، في حال الأصرار على انتخاب المالكي رئيسا للوراء.
وهذا الضغط الخارجي زاد من حالة الإرباك داخل أروقة المنطقة الخضراء، مما دفع ببعض الكتل إلى سحب دعمها للمرشحين المطروحين والبحث عن “شخصية ظل، أو تكنوقراط، أو مرشح توافقي يحظى بقبول الجميع. وعقب ذلك يرى مراقبون أن العراق أمام ثلاثة سيناريوهات محتملة : الأول سيناريو “التسوية الشاملة”، والذي يشمل اتفاق كبير لرئيس الجمهورية ورئيس الوزراء (مرشحي تسوية)، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً لتفادي الانهيار. وسيناريو “الانسداد المستدام”، والذي يتمثل باستمرار حكومة تصريف الأعمال لفترة طويلة، مما قد يؤدي إلى شلل في إقرار الموازنة العامة وتفاقم الأزمات الخدمية، ما يفتح الباب لاعتماد قوانين مالية طارئة. أما سيناريو “الضغط الجماهيري”، والذي يرسم عودة الاحتجاجات إلى الشارع كعامل ضغط لإجبار الكتل على حسم ملف الرئاسات، فهو بعيد عن الواقع السياسي في الوقت الراهن، بسبب عدم توفر الضروف الخصبة لتأجيج الشارع. ويرى خبراء قانونيون المشهد السياسي في العراق من زاوية كبيرة، محذرين من أن تمدد الخلافات قد يحول “عراق بلا قيادة” إلى واقع مأساوي يهدد استقرار الدولة الهش، ويصبح أمرا لا بد منه، في ظل ما تشهده منطقة الشرق الأوسط من حرب مصيرية.
