جنون العظمة في زمن الحرب || هل يستطيع ترمب حقاً كسر “السلطة الرابعة”؟

كتبه : أمين شيرازيان | خاص بمدار 24

في الأسبوع الثالث من الصراع المحتدم، يبدو أن البيت الأبيض لم يعد يكتفي بإدارة المعارك على الجبهات الخارجية، بل قرر فتح جبهة جديدة وأكثر خطورة في الداخل : جبهة ضد الحقيقة نفسها.

إن التهديدات الأخيرة التي وجهها الرئيس ترمب لوسائل الإعلام الأمريكية — والتي وصلت إلى حد التلويح بإلغاء التراخيص ما لم تتبنَّ الصحافة دور “الجوقة الموسيقية” التي تعزف ألحان النصر فقط — لا تمثل مجرد نوبة غضب رئاسية عابرة، بل هي طعنة مباشرة في قلب التعديل الأول للدستور.

▪️وهم السيطرة في عصر التدفق الحر
يسعى ترمب، عبر استراتيجية “الترهيب الإداري”، إلى فرض ما يسمى في الأدبيات القانونية بـ “الأثر المثبط” (Chilling Effect). هو لا يأمل بالضرورة في إغلاق كافة الصحف، بل يطمح إلى خلق مناخ من الخوف يدفع المحررين إلى ممارسة “الرقابة الذاتية” قبل أن تصل أقلامهم إلى الورق.

ولكن، هل ينجح؟ التاريخ والواقع المؤسسي يقولان لا. إن بنية الإعلام الأمريكي، المعتمدة على استقلالية مالية وقانونية هائلة، تجعل من محاولة “تأميم السردية” مهمة انتحارية لأي إقامة رئاسية. فالمؤسسات التي صمدت أمام الحروب العالمية والكساد العظيم لن تنحني أمام تغريدة أو تهديد بسحب تصريح.

▪️دروس من “أوراق البنتاغون” إلى “أكوستا”
ليس ترمب أول رئيس يضيق ذرعاً بالحقائق المزعجة، ففي عام 1971، حاول ريتشارد نيكسون وقف نشر “أوراق البنتاغون” (Pentagon Papers) بحجة الأمن القومي أثناء حرب فيتنام. حينها، قالت المحكمة العليا كلمتها الفصل التي لا تزال تتردد أصداؤها اليوم: “الصحافة وُجدت لخدمة المحكومين، لا الحكام”.

وحتى في العصر الحديث، أثبتت واقعة سحب تصريح مراسل سي إن إن، جيم أكوستا، في ولاية ترمب الأولى، أن القضاء الفيدرالي يظل الحصن المنيع الذي تتحطم عليه رغبات السلطة التنفيذية في الانتقاء الإعلامي.

▪️المواجهة الكبرى : الحقيقة كفعل مقاومة
إذا استمرت الإدارة في هذا النهج، فإنها ستواجه “تأثيراً عكسياً”. فالتاريخ الأمريكي يعلمنا أنه كلما زاد ضغط السلطة لتغطية الإخفاقات، زاد تدفق التسريبات من داخل أروقة الحكم نفسها. الصحفيون الأمريكيون، في لحظات التهديد الوجودي لمهنتهم، غالباً ما يتنحون عن منافساتهم التجارية ليشكلوا جبهة موحدة للدفاع عن حق الجمهور في المعرفة.

▪️الخلاصة :
إن محاولة تحويل الصحافة إلى أداة بروبغاندا لتغطية عثرات الحرب هي مقامرة خاسرة. قد ينجح الرئيس في حجب الرؤية لليلة أو ليلتين، لكن في بلد تأسس على قدسية الكلمة الحرة، ستظل الحقيقة هي الضحية التي ترفض الموت. إن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين أمريكا وخصومها في الخليج الفارسي، بل هي معركة أمريكا مع مبادئها الأساسية في قاعة المؤتمرات بالبيت الأبيض.

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.