لماذا نجحت أوروبا مع إسبانيا وأخفق الخليج مع اليمن؟

كتبه : محمد الأمين الكرخي | خاص بمدار 24

في أول زيارة لي إلى مدريد، وتحت سماء “مهرجان شباط الشعري الدولي”، كنت أتجول في شوارع العاصمة الإسبانية ضمن مجموعة من الشعراء القادمين من العراق ومصر. لم تكن الجولة مجرد نزهة سياحية، بل كانت درساً في “الجيوبوليتيك” قدمه لنا الروائي والأكاديمي العراقي الدكتور عبد الهادي سعدون.

 

بينما كنا نعبر الميادين الكبرى، أشار سعدون بيده إلى أحياء كانت في الثمانينات ومطلع التسعينات مثالاً للبؤس، تفتقر لأدنى الشروط الصحية والجمالية. اليوم، تحولت تلك المناطق إلى مراكز سياحية عالمية تنطق بالرفاهية والمعمار الحديث. هذا التحول لم يكن “معجزة إسبانية” معزولة، بل كان “مشروعاً أوروبياً” بامتياز؛ حيث ضخت القوى المتقدمة في القارة مليارات الدولارات في شرايين مدريد، لا كمنحة، بل كاستثمار استراتيجي لدمج إسبانيا في جسد أوربا.

 

هذا المشهد، الذي يجسد قصة نجاح “الاحتواء الأوروبي”، يسلط ضوءاً كاشفاً على مأساة أخرى في زاوية مختلفة من العالم. فبينما كانت أوروبا تبني إسبانيا، كان اليمن يواجه “جداراً” من نوع آخر مع جيرانه في مجلس التعاون الخليجي.

 

▪️ سياسة “الفتات” الاستراتيجي

في الثمانينات، وبينما كانت الفوائض النفطية الخليجية ترسم ملامح ثراء أسطوري، لم يتجاوز الدعم المباشر لليمن بشطريه حدود المليار دولار سنوياً. في عرف الميزانيات التريليونية، كان هذا الرقم يمثل “فتاتاً” يُقدم لجوار يغلي.

 

الفارق هنا ليس في الأرقام فحسب، بل في الفلسفة. أوروبا أرادت من إسبانيا أن تكون “شريكاً ندّاً”، فاستثمرت في قوانينها وبنيتها التحتية. أما في الحالة اليمنية، فقد اعتمدت العقلية الخليجية على “سياسة المسكنات”؛ أموال تُضخ لشراء الولاءات القبلية أو لترميم ثقوب في ميزانيات متهالكة، بدلاً من بناء تكامل اقتصادي حقيقي. لقد كان المطلوب خليجياً “يمناً هادئاً” لا “يمناً قوياً”.

 

▪️ المغتربون.. الرهينة السياسية

كثيراً ما يُستشهد بفتح أسواق العمل الخليجية لليمنيين كدليل على الكرم، لكن الحقيقة الاقتصادية تقول إن هؤلاء العمال كانوا المحرك الرخيص لنهضة الخليج العمرانية. تحويلاتهم كانت “ضريبة عرق” وليست هبة حكومية. وبخلاف النموذج الأوروبي الذي مأسس حقوق العمالة المهاجرة، ظل العامل اليمني رهينة للمزاج السياسي، وهو ما تأكد في عام 1990 حين تبخر هذا الشريان في لحظة غضب واحدة، تاركاً اليمن في مواجهة انهيار لم يرحمه فيه جيرانه.

 

▪️ اليمن والحوثي: الارتماء في الحضن البديل

هذه الفجوة التاريخية تفسر لنا بوضوح لماذا يسلك اليمن اليوم — في شقه الحوثي — مساراً يصدم العالم بانحيازه للمحور الإيراني في صراعه مع واشنطن. إن وقوف صنعاء اليوم في الخندق المقابل لأمريكا وحلفائها الخليجيين ليس مجرد صدفة طائفية، بل هو نتيجة طبيعية لعقود من “الإقصاء التنموي”، مضافاً إليها إرث ثقيل من الصدامات الدامية والمجازر التي نُفذت بحق الحوثيين، والإمعان في إذلالهم لأسباب طائفية وسياسية على مر السنين.

 

عندما تُترك دولة بحجم اليمن “يتيمة” على رصيف الأثرياء، ويُقابل طموح بعض فئاتها بالتهميش والإذلال، فإنها تصبح أرضاً خصبة للمشاريع البديلة. لقد ملأت إيران الفراغ الذي خلفه “البخل الاستراتيجي” والعداء الأيديولوجي، وقدمت للحوثيين مشروعاً منحهم شعوراً بالندية المفقودة في مواجهة محاولات كسرهم.

 

لو أن مجلس التعاون سلك مع صنعاء مسار “بروكسل” مع “مدريد”، وحوّل الجغرافيا اليمنية إلى ورشة عمل بمليارات حقيقية تخلق مصالح مشتركة غير قابلة للكسر وتستوعب الجميع دون تمييز، لما وجدت طهران موطئ قدم في جنوب الجزيرة.

 

إن الدرس المستفاد من شوارع مدريد النظيفة هو أن استقرار الجار لا يُشترى بالصدقات، بل بالشراكة والعدالة. واليوم، تدفع المنطقة أثماناً باهظة في البحر الأحمر وعلى الحدود، لأنها استكثرت في الثمانينات أن يكون اليمن جزءاً من مستقبلها، فاختارت أن تتركه يغرق في أوجاعه.

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.