من روايته الشهيرة “مذكرات كلب عراقي” تعرفت على اسم الكاتب والمترجم العراقي دكتور عبد الهادي سعدون، الرواية التي صدرت في العام 2012م وهو يصف فيها برمزية واقعية ويوثق الأحداث السياسية والاجتماعية في العراق من خلال الكلب “ليدر”، ومن ذلك الحين انكشف لي نتاجه الأدبي ومجمل ما كتبه وترجمه بين اللغتين العربية والإسبانية.
يمر اسم عبد الهادي سعدون في الساحة الأدبية العراقية بشكل خاطف وذلك باعتباره واحد من ثلة من المترجمين عن الإسبانية، وبأعتباره واحد من الكتاب والروائيين العراقيين حيث العشرات منهم مغمورين ومنسيين، أما في الضفة الأخرى والمقصود هنا في إسبانيا، حيث يعمل الدكتور عبد الهادي سعدون استاذا للأدب في جامعة مدريد، يشار إليه بالبنان، ويقف موقف افتخار باعتباره أحد سدنة اللغة العربية، وأحد أهم عرابيّ الثقافة العربية في بلاد الإسبان.
عوضا عن جائزة أنطونيو ماتشادو للإبداع الأدبي بأسبانيا التي حصل عليها عبد الهادي سعدون بصفته شاعراً عام 2009م، وجائزة إيرموسيا للترجمة لعام 2025 من كلية فقه اللغة بجامعة مدريد، وبالإضافة إلى جائزة سليمنكا عن مجمل أعماله الادبية، وعدد آخر من الجوائز والكريمات الأدبية، ففي هذا العام 2026م تم تكريم عبد الهادي سعدون من قبل جامعة “كومبلتنسة” بجائزة التميز “خوسيه غوميس” للترجمة، وذلك عن مجمل مسيرته الأدبية والترجمية، والتي تضمنت نحو أكثر من أربعين كتابا بين اللغتين العربية والإسبانية.
وهنا نجد أن اسم عبد الهادي سعدون وقف في إسبانيا مناضلا في الترجمة والإبداع الأدبي، شاعرا حداثيا، وروائيا مميزا، وباحث لغويا فريد، وقد عرفنا سعدون على أهم الأدباء الإسبان، من ثيربانتيس ولوركا وألبرتي إلى بورخيس وآخرين، وكذلك فعل بتعريف الإسبان على أهم الأدباء العرب.
وأقول عنه “عبد الهادي سعدون حارس اللغة العربية في بلاد الإسبان” فهو لا يحرسها ويصونها ليس بوصف أنها مهددة، بل بوصف أنه منسجم معها في طريق الوصول إلى هدف معين، هو يعبر عنه بالقول : “أن الأدب، في أنقى جوهره، لا ينتمي إلى أرضٍ أو لغةٍ بعينها، بل إلى التجربة الإنسانية.” فيقبض من خلال عمل “الترجمة” على ما يسميه “يقيناً” من أنه “مؤمنًا، باليقين ذاته الذي رافقني منذ البداية، بأن الكلمة هي الإقليم الوحيد الذي تتلاشى فيه الحدود”.
غادر عبد الهادي سعدون العراق عام 1993م، وهو في العشرينات من عمره واستقر في مدريد، حيث نال الدكتوراه في الأدب والفلسفة، وهناك بدأ نشاطه في الترجمة، وهو اليوم أستاذ اللغة العربية بالمدرسة الدبلوماسية في مدريد منذ عام 2023م، كما يعمل حاليا أستاذا لمادة اللغة والأدب العربي في جامعة مدريد كومبلوتنسيه.
أكرر مجدداً القول بأن عبد الهادي سعدون ليس كاتباً او مترجماً عابرا، بل أنه “رقم صعب” في الساحة الأدبية الإسبانية، وهذا هو المهم جدا، أما في الساحة الأدبية العراقية أو العربية فليس للأمر أهمية تذكر.
فهو في الواقع لا يقدم نصوصا إسبانية للإسبان وكما يذكر في أحد المواطن بل أنه ينتج لهم نصا مكتوبا باللغة الإسبانية ظاهريا، ولكن في مضمونه حس عراقي ونبض عربي، حيث لا تعد الترجمة هنا كونها نقل من لغة إلى أخرى، بل مشاركة وتكيف داخل اللغة نفسها، الأمر الذي يعتبره عبد الهادي سعدون نوع من التحدي أو المغامرة، وهو منهج صحيح لخطه في الأبداع الترجمي.
من هنا نجد أن عبد الهادي سعدون ورغم بعض التحديات التي واجهها، إلا أنه دائم الحضور في المشهد الثقافي الإسباني، وهو كما نلاحظ يحاول دوما إثبات وجوده على الساحة الأدبية والفكرية هناك، حيث أنه يدرك عمق العلاقة بين الثقافة الإسبانية والثقافة العربية، وفي ظل تعايشه مع المجتمع الإسباني وجد أن المثقف الإسباني الحقيقي، وحتى الأوربي على وجه عام لا ينكر الشراكة الثقافية العميقة مع العرب.
لكن ما لاحظناه في محافلنا الأدبية البائسة في العراق، غياب وتعتيم بل وطرد للمثقفين العراقيين الحقيقيين من أمثال عبد الهادي سعدون وغيره الكثيرين، إن كان بتعمد أو بسبب سوء إدارة وتخطيط، وفي المقابل نجد رد الجميل، حيث أن “العراق” حاضر في جميع أعمال عبد الهادي سعدون الأدبية، وإلى جانب ذلك فقد عمل على أصدار أربع أنطولوجيات شعرية تناولت الأصوات الشعرية المختلفة في العراق، مسلطًا الضوء على التنوع الإبداعي الذي يتميز به المشه د الثقافي العراقي.
