بين وفرة المعلومات وفقر المعنى || قراءة في كتاب “أزمة السرد” لبيونج تشول هان
كتبه : جودت هوشيار _ كاتب ومترجم
في عالم تتدفق فيه المعلومات بوتيرة غير مسبوقة، وتغمرنا الأخبار والإشعارات المتلاحقة من كل اتجاه، وتتحول فيه وسائل التواصل الاجتماعي إلى الإطار الذي نرى من خلاله الواقع ونفهمه، يطرح الفيلسوف الكوري-الألماني بيونج تشول هان سؤالاً جوهرياً: ماذا يحدث للإنسان عندما يفقد القدرة على السرد؟ هذا السؤال يشكل محور كتابه «أزمة السرد»، الذي يعد من أهم تأملاته الفلسفية في أحوال المجتمع المعاصر.
يأخذنا هان في رحلة فكرية عميقة لفهم التحولات التي أصابت علاقتنا بالقصص والحكايات التي لطالما منحت الوجود الإنساني معناه وتماسكه. فالسرد، في نظره، ليس مجرد وسيلة للتسلية أو شكلاً من أشكال التعبير الأدبي، بل هو الإطار الذي ينتظم داخله الزمن الإنساني، وتتشكل من خلاله الهوية الفردية والجماعية، وتُبنى بفضله الروابط الاجتماعية والثقافية بين الناس.
ينطلق المؤلف من ملاحظة أساسية مفادها أن عصر المعلومات قد أدى إلى تآكل السرديات الكبرى والصغرى على حد سواء. فبدلاً من القصص المتماسكة التي كانت تمنح الإنسان شعوراً بالاستمرارية والانتماء، أصبحت حياتنا محاطة بكم هائل من البيانات والمعلومات المتفرقة التي تفتقر إلى سياق جامع أو معنى موحد. لقد حلت ثقافة التشرذم والتجزئة محل الروايات التقليدية بشخصياتها وأحداثها ومساراتها الواضحة، وأصبح الإنسان يعيش وسط شظايا من المعلومات لا تنسج فيما بينها خيطاً يربط الماضي بالحاضر أو الحاضر بالمستقبل.
ويرى هان أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً مركزياً في هذا التحول. فهذه المنصات لا تشجع على بناء السرد أو التأمل الطويل، بل تدفع نحو إنتاج تدفق متواصل من المنشورات والصور والتعليقات السريعة. وهكذا تتحول الحياة إلى سلسلة من اللحظات المنفصلة التي تُعرض وتُستهلك فوراً، قبل أن تختفي لتحل محلها لحظات أخرى. وبدلاً من أن يروي الإنسان قصة حياته، يجد نفسه منشغلاً بتوثيق تفاصيلها المتفرقة وعرضها في الزمن الحقيقي.
وفي هذا السياق، يميز هان بين «المعلومات» و«السرد». فالمعلومات تسعى إلى نقل الوقائع بأقصى سرعة ممكنة، أما السرد فيمنح هذه الوقائع معنى ومكاناً داخل تجربة إنسانية أوسع. المعلومات تجيب عن سؤال: ماذا حدث؟ أما السرد فيجيب عن السؤال الأعمق: ماذا يعني ما حدث؟ ومن دون هذا المعنى تفقد الأحداث قدرتها على تشكيل الوعي والذاكرة.
كما يشير الفيلسوف إلى أن هيمنة الأخبار العاجلة والمحتوى المتجدد باستمرار أدت إلى نشوء ما يمكن تسميته «حاضرية دائمة»، حيث يصبح الإنسان أسيراً للحظة الراهنة. فكل خبر جديد يمحو ما سبقه، وكل حدث طارئ يطغى على الأحداث السابقة، مما يضعف قدرتنا على بناء ذاكرة جماعية مستقرة أو رؤية تاريخية متماسكة. إننا نعيش، بحسب هان، في زمن لا يكف عن إنتاج الوقائع، لكنه يزداد فقراً في إنتاج المعنى.
ويتوقف المؤلف أيضاً عند التحولات التي أصابت السياسة والثقافة في العصر الرقمي. فالمجتمعات كانت تتماسك في الماضي حول قصص مشتركة وأساطير مؤسسة ورؤى جماعية للمستقبل، أما اليوم فقد أصبحت هذه السرديات تتفكك أمام طوفان من المعلومات المتنافسة والآراء المتناثرة. ونتيجة لذلك يزداد الشعور بالعزلة والاغتراب، حتى في عالم يبدو أكثر اتصالاً من أي وقت مضى.
غير أن الكتاب لا يكتفي بتشخيص الأزمة، بل يحمل بين صفحاته دعوة ضمنية إلى استعادة قوة السرد. فهان يعتقد أن الإنسان يحتاج إلى القصص كما يحتاج إلى الهواء؛ لأنها تمنحه القدرة على فهم ذاته وربط تجاربه المتفرقة في وحدة ذات معنى. ومن دون السرد يصبح العالم مجرد مجموعة من الوقائع المتناثرة التي لا تقود إلى حكمة أو معرفة حقيقية.
هكذا يقدم «أزمة السرد» قراءة فلسفية نافذة لعصرنا الرقمي، ويكشف كيف أن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة وفرة الفهم، وكيف أن الاتصال المستمر قد يقود إلى فقدان المعنى. وكيف أن الاتصال المستمر قد يؤدي، بصورة تبدو متناقضة، إلى اتساع الشعور بالفراغ وفقدان المعنى.
