شجرة التأملات لبورفيرو سالازار || خمس قصائد بنمية

ترجمة : د. عبد الهادي سعدون

بورفيريو سالازار “PORFIRIO SALAZAR” شاعر بنمي معاصر يُعد من الأصوات المهمة في الشعر الحديث في أمريكا الوسطى.

وُلد في عام 1970م في مدينة بينونومي في مقاطعة كوكلي، في بنما. شاعر وكاتب مقالات، إلى جانب نشاطه الأدبي، عمل سالازار أستاذاً جامعياً وقاضياً ومدافعاً عاماً داخل النظام القضائي في بنما، مما جعله يجمع بين التجربة القانونية والكتابة الشعرية.

في الأدب، يُعتبر من أبرز الشعراء البنميين المعاصرين، وتتميّز أعماله بلغة شعرية كثيفة ومجازية، تميل إلى التأمل والبعد الفلسفي، مع حضور قوي للطبيعة والذاكرة والهوية الإنسانية.

من أبرز أعماله: الغابة، قيثارة الشمس، رحلة العُري، و الحيوان ظلي، وهو العمل الذي نال عنه جائزة أدبية مهمة هي جائزة روخيليو سينان للأدب في أمريكا الوسطى.

 

ومن ديوانه الأخير (شجرة التأملات 2023)، نختار هذه المقاطع الخمس الأولى.

 

______________________________

1

دعني بلا اسم، دعني بلا أجنحة

(فلم تكن لي أجنحة قط، ولا أحتاج إليها).

أغصاني، في تحليقها الساكن، بعيداً عن الممالك والتعاويذ،

ومن غير ذاكرة للأفعال أو للنيران، تزرع الموسيقى في الرياح.

أنا لا أنتمي إلى طين هذا الفجر،

ولا تشقّ الجهات الأربع فصلي.

دعني في ليل النمر المرقّط،

لابثّ هواءً في العينين اللتين تنظراني.

دع عينيك تتعلمان أن تنظرا إلى ما لا تصل إليه مرآةُ إدراكك.

تعلّم سكوني،

وخيرَ التأمل المنطوي على الذات،

والغضبَ الصامت،

والسخطَ المستغرق في لحظةٍ لا هدنة فيها.

 

 

 

 

2

يضحك الناس في سنوات المطر،

وعند ساعة الموت يبكون ويختلقون سيراً ذاتية لا تُصدَّق.

فالدمعة تُطهِّر شوائب الدم.

أعلم أن هناك قبوراً، وأعلم أن أخبار الحرب قائمة،

وأن النور محظور في مساءٍ تجرّد من أوراقه.

القلق يسكن الحقن،

وجرس الإنذار يزمجر في النظرات.

أسمع الخطوات، أسمع الخطوات،

إنهن جدّاتنا تحت الشمس.

كان العالم يوماً مضاءً،

وتوزّع النور، وكان الخبز يُشبع الجياع، وكان العطش يتّقد.

لكن جاء يوم أظلم فيه كل شيء،

وامتلأنا بقطاراتٍ تأتي بلا إنذار،

وبقُبلٍ غير مطلوبة،

وبأحضانٍ تهذي.

العالم الذي تراه ربما لا وجود له؛

فليس هناك إلا أكوانٌ في العيون

المطمورة بالرماد.

العالم يرقص، جوّالاً،

كنهرٍ، وسريرٍ بلا نوم، ومغارةٍ خاوية،

من غير برد الصواعق

حين نرى أنفسنا، وحيدين، مرةً أخرى.

 

 

 

 

3

 

أريد أن أفكّ طلاسم السعادة الإنسانية،

والألم الإنساني،

وقمر حروبهم.

لا أبتكر أسماءً،

ولا تنشدني شفاهٌ مزّقها النسيان.

لا تسمّوني أرتميس، حصن الغابات المسحورة؛

فليست لي تواريخ،

لا مديح الكهوف،

ولا حراسة المشاعلُ تجعلني سعيداً.

لا تسمّوني نوراً؛

فقمري لا ينكسر بسهولة.

قمري زئير،

ونبعٌ وانحدار.

أُخفي استراتيجيتي

لأرسم لنفسي قدراً أكبر من السعادة،

بعيداً عن خطر الفأس أو غايتها.

في صمتٍ،

ومن غير أخاديد مطرية،

تُكرّر موسيقاي

آلام المخاض

ومدّاً جائعاً.

أنا موسيقى متعاقبة النغمات وسط العاصفة.

وجذوري لا تهجرني أبداً.

 

 

 

 

4

 

لم أكن يوماً غياباً،

ولا أعرف توسّل الأيدي.

لا أعرف الفردوس،

لا البحر الذي يهرب من رحلته الخاصة.

لا أعرف سبب سعي الآخرين وراء المطاردة.

لا أعرف العبيد ولا السفن،

ولا الصفحات الخاوية أو المقدمات التي بلا سماء،

ولا الأنفاق التي تؤجّج المسير من غير التفات إلى الوراء.

ما معنى قطع شجرة تينٍ — من غير إنذار —

أو همس القلق

عند ساعة الوداع التي ننثر أوراقها حين نحب؟

لا أعرف المواقع الأثرية،

ولا تلك الذاكرة الصاخبة

التي تسعى إلى إحيائنا من الداخل،

في انعكاس صفاءٍ معتم.

لا أعرف رؤساء الملائكة،

ولا أمواج المدّ العاتية التي تعدنا بالحرية

في صدق أن نكون الشيء نفسه.

لكنني أعلم أن هناك ملائكةً

وكائنات ذاوية

في ذلك البريق الساكن في العين

التي تشتاق إلى الشفق

أو إلى النور.

 

 

5

 

في سكوني،

أسافر إلى الميناء إذا ما أنَّت أوراقي شوقاً إلى عبير البحر.

الموانئ هكذا:

ممتلئة بالناس، وبالصمت،

وبحقائبَ بلا أحلام،

وأمتعةٍ تحمل أزهاراً مطعونة.

الموانئ هكذا:

ترتفع السفينة مع الموجة وتغادر الرصيف،

حين يبتعد البحر من غير أن يلتفت إلينا.

في تلك الأراضي،

للزهور مستقبلها الخاص،

وتبقى حتى المطر القادم،

وتتضرّع ألّا تواصل النزف.

وأحياناً،

ينهال علينا البيت من فوقنا،

ولا يخطر ببالنا حتى

أن البتلات تحتجّ.

 

 

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.