بعد مرور أكثر من نصف قرن هل لا يزال العراقيون يحتفلون بذكرى ثورة 14 تموز؟

كتبه : مصطفى شاكر _ العراق

ليس عيداً وطنياً، ولكن لم يعد الاحتفال بالذكرى مجرد طقس عابر، بل مساحة مستمرة للجدل والنقاش بين الأجيال، فبعد مرور أكثر من نصف قرن، 68 عاماً بالتحديد، لا يزال العراقيون يستذكرون ثورة 14 تموز 1958م ولكن بطبيعة الحال، تختلف نظرة الشارع العراقي اليوم وطريقة التفاعل مع المناسبة تبعاً للتحولات السياسية التي خلفتها.

يُعدّ يوم 14 تموز 1958 من أبرز المحطات في التاريخ العراقي الحديث، إذ شهد العراق تغييرًا جذريًا في نظام الحكم، وانتقل من النظام الملكي الهاشمي إلى النظام الجمهوري بعد حركة عسكرية قادها اللواء عبد الكريم قاسم بمعية العقيد عبد السلام عارف، حيث أنهت العهد الملكي وأعلنت قيام الجمهورية العراقية.

وتُصنف الدولة العراقية يوم 14 تموز كـ “عطلة رسمية” في جميع أنحاء البلاد، إذ يُنظر إلى هذا التاريخ رسمياً على أنه الإعلان الأول لتأسيس الجمهورية العراقية، وإنهاء الحقبة الملكية، أما على المستوى الشعبي والثقافي فعلى الرغم من عدم وجود احتفالات شعبية ضخمة في الشوارع _كالتي تحدث في الأعياد الوطنية لبعض الدول_، إلا أن إحياء الذكرى يأخذ طابعاً ثقافياً ونخبوياً بارزاً ويشهد الحديث عن الثورة خصوصاً في الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي صخباً كبيراً.

وطبيعي أن تقام ندوات فكرية وجلسات حوارية في شارع المتنبي، والاتحادات الأدبية، والمراكز الثقافية في بغداد والمحافظات، سنوياً في هذه المناسبة لمناقشة إرث الثورة وتأثيرها السياسي والاجتماعي، وتذكير الأجيال اليافعة بها.

▪️ خلفية تاريخية :
تأسست المملكة العراقية عام 1921م بعد سيطرة البريطانيين على العراق، وتولى العرش الملك فيصل الأول ابن الشريف حسين، ثم تعاقب على الحكم من بعده ولده الملك غازي، ومن ثم الملك فيصل الثاني.

وخلال تلك الفترة، التي امتدت لأربعة عقود ارتبط العراق بعلاقات وثيقة مع المملكة المتحدة، والتي كان لها نفوذ سياسي وعسكري في البلاد، خاصة في السنوات الأولى من تأسيس الدولة.

وفي الخمسينيات، شهدت المنطقة العربية تغيرات سياسية كبيرة، أبرزها تصاعد الحركات القومية العربية، وازدياد المطالب بالإصلاح السياسي والاجتماعي، إلى جانب تنامي المعارضة لبعض سياسات الحكومة العراقية آنذاك.

واجه العراق خلال تلك المرحلة تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية، منها المطالبة بإصلاحات داخلية، واتساع نشاط الأحزاب والحركات السياسية، إضافة إلى التوترات الإقليمية التي أثرت في المشهد العراقي.

ففي عام 1958م، تشكل تنظيم عسكري عُرف باسم تنظيم الضباط الأحرار، ضم عددًا من ضباط الجيش الذين بدأوا خططاً لتغيير نظام الحكم.

▪️ أحداث 14 تموز 1958م وإعلان الجمهورية :
في فجر يوم 14 تموز 1958م، تحركت قطعات من الجيش العراقي بقيادة مجموعة من الضباط نحو العاصمة بغداد، مستفيدة من تحركات عسكرية كانت مقررة أصلًا باتجاه غرب العراق.

سيطرت القوات المشاركة على مواقع حكومية وإستراتيجية، كما استولت على مبنى الإذاعة، حيث أُذيع بيان أعلن انتهاء النظام الملكي وقيام الجمهورية العراقية.

وخلال موجة الأحداث، قُتل عدد من أفراد العائلة المالكة، بعد اقتحام القصر (الرحاب) الملكي وكان من بين الضحايا الملك فيصل الثاني، وولي العهد الأمير عبد الإله، والملكة نفيسة، والأميرة عابدية، إضافة إلى عدد من المرافقين. كما قُتل رئيس الوزراء نوري السعيد بعد يوم من قيام الحركة، في ظروف ارتبطت بالأحداث التي شهدتها بغداد آنذاك.

وبعد نجاح الحركة كما خطط لها، أُعلن قيام الجمهورية العراقية، وتولى حينها اللواء عبد الكريم قاسم رئاسة الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة ووزارة الدفاع، بينما أصبح العقيد عبد السلام عارف نائبًا لرئيس الوزراء ووزيرًا للداخلية.

بدأت الحكومة الجديدة باتخاذ إجراءات سياسية وإدارية واقتصادية، شملت إصدار دستور مؤقت، وإلغاء النظام الملكي، وإعلان النظام الجمهوري.

▪️ ما بعد الثورة :
اجرت الحكومة التي قادها عبد الكريم قاسم تنفيذ إصلاحات عديد في مجالات الإدارة والاقتصاد، وفي منهج السياسة الخارجية للبلاد.

فإصدار قانون للإصلاح الزراعي بهدف إعادة تنظيم ملكية الأراضي، وانتهاج سياسة خارجية مختلفة عن المرحلة السابقة، مع إعادة ترسيخ علاقات العراق الإقليمية والدولية، كانت هذه من أبرز نتائج الثورة.

إن أحداث 14 تموز أحدثت تحولًا كبيرًا في تاريخ العراق، إذ أنهت نحو 37 عامًا من الحكم الملكي، وافتتحت مرحلة جديدة من الحكم الجمهوري.

وهنا يرى بعض المؤرخون أن هذا الحدث كان نقطة تحول سياسية كبرى، إلا أن تقييم نتائجه يختلف بين الباحثين؛ فهناك من يركز على ما رافقه من تغييرات في بنية الدولة وسياساتها، بينما يشير آخرون إلى ما تبعه من اضطرابات وصراعات سياسية خلال السنوات اللاحقة.

▪️ خاتمة
تمثل ذكرى 14 تموز 1958م مناسبة تاريخية مهمة لفهم مسار تطور الدولة العراقية. فقد غيّرت تلك الأحداث شكل نظام الحكم ومنهجه، وأثرت في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للعراق لعقود تلتها، ولا تزال تحظى باهتمام الباحثين والمؤرخين باعتبارها محطة مفصلية في تاريخ البلاد، وبقيت الحدث الأكثر تأثيراً ودراسةً في محطات التاريخ العراقي الحديث.

فاليوم لا تزال تحظى شخصية عبد الكريم قاسم (الزعيم، وقائد الثورة) بمكانة خاصة ورمزية عالية لدى نخب كبيرة من العراقيين، حيث يُنظر إليه كرمز للنزاهة والعدالة الاجتماعية والاهتمام بالطبقات الفقيرة، وغالباً ما تشهد نصبه التذكارية في بغداد وغيرها من المدن توافد بعض المواطنين لاستذكاره.

وثمة من يرى في ثورة 14 تموز بأنها حركة تحررية وطنية أنهت الهيمنة الأجنبية (البريطانية)، وأسست لنظام جمهوري ينتخبه الشعب، وحققت مكاسب كبرى للفقراء والعمال عبر قوانين الإصلاح الزراعي وبناء البنى التحتية، بصرف النظر عن أنحراف بعض المؤسسين عن مسار الثورة الحقيقي.

ولكن في المقابل، هناك تيار من المواطنين خاصة في السنوات الأخيرة مع تزايد الحنين إلى الماضي يرى أن ثورة 14 تموز لم تكن سوى انقلاب عسكري فتح الباب أمام سلسلة من الاضطرابات السياسية وغياب الاستقرار في تاريخ العراق الحديث، ويفضلون استذكار العهد الملكي كفترة بناء مؤسساتي وهدوء سياسي.

ولكن باختصار، فإن أحداث 14 تموز لم تغب عن الذاكرة العراقية حتى اليوم؛ ولا تزال تشغل حيزا من أذهان العراقيين، كيوم يجمع بين كونه إجازة رسمية تُخلد ولادة الجمهورية، وبين كونه محطة سنوية للمراجعة التاريخية والنقاش حول هوية الدولة العراقية ومسارها السياسي.

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.