بمناسبة مرور مئة سنة على وفاة المس بيل، “الخاتون” كما يسميها العراقيون، أو مؤسسة الدولة العراقية الحديثة كما يصفها بعض المؤرخين، فاستذكار حياتها وإرثها مرتبط بتاريخ العراق الحديث.
غيرترود كانت رحّالة وعالمة آثار وكاتبة ودبلوماسية، وعُرفت بحبها الكبير للعراق وتاريخه وحضارته، وساهمت جهودها بوضع الأسس الأولى للمتحف العراقي والحفاظ على إرث العراق الحضاري.
ولدت غيرترود بيل في 14 يوليو عام 1868م وحصلت على شهادة في التاريخ الحديث من جامعة أكسفورد، حيث أصبحت أول امرأة تحصل على مرتبة الشرف هناك. بعد تخرجها، أصبحت بيل رحالة عالمية آثارية.
بدأت المس بيل رحلتها لأول مرة عبر الشرق الأوسط في عام 1892م. وفي عام 1909م، عبرت بيل بلاد ما بين النهرين، لتصوير المواقع الأثرية هناك، وأصبحت صورها فيما بعد، واحدة من أكثر السجلات موثوقية للعمارة القديمة.
في عام 1913م توجهت إلى بلاد فارس، بعد زيارتها لمصر، ونشرت كتبًا وصورًا عن ملاحظاتها حول سوريا وبلاد الرافدين أيضًا، وعلى عكس العديد من معاصريها البريطانيين، كرست بيل نفسها لفهم اللغة والسياسة والثقافة في الشرق الأوسط، اذ أصبحت تتقن اللغة العربية والفارسية والتركية العثمانية.
ألتقت بيل وهي في الشرق الأوسط بشاب يدعى تي إي لورانس ، وهو ضابط عسكري بريطاني ساعد الدول العربية في الشرق الأوسط في الحصول على استقلالها عن إنجلترا، وفي ذلك الوقت، كان لورانس يعمل كمساعد لعالم آثار.
وعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، عرفت المس بيل الشرق الأوسط أكثر من أي شخص آخر في بريطانيا تقريبًا، وفازت باصدقاء مخلصين من بين العديد من قبائل بلاد ما بين النهرين، فجند البريطانيون المس بيل بهدف الانتصار بالحرب ضد العثمانيين.
عملت المس بيل مستشارة للمندوب السامي البريطاني برسي كوكس، وفي عام 1915م أصبحت المس بيل أول امرأة تعمل في المخابرات العسكرية البريطانية، وأصبحت تُعرف باسم “الرائد الآنسة بيل” وقد عملت في القاهرة جنبًا إلى جنب مع تي إي لورانس، وقاموا معًا بتحليل المعلومات الاستخبارية وأوصوا البريطانيين بتجنيد حلفاء عرب لمحاربة الأتراك وهزيمة العثمانيين.
دافعت بيل من أجل الحكم الذاتي العربي في مؤتمر السلام عام 1919م وكذلك في التقرير الذي رفعته الى حكومتها عام 1920م بعد ذلك، في عام 1921م سافرت إلى القاهرة مع لورنس للدفاع عن الحكم العربي للعراق امام ونستون تشرشل.
في المؤتمر، ساعدت بيل في رسم الحدود الجنوبية للعراق ودفعت بفيصل الأول، الذي ساعد البريطانيين خلال الحرب، ليتولى الحكم في النظام الملكي الجديد، وفي 3 أكتوبر 1932م مُنحت مملكة العراق الاستقلال.
ومن خلال عملها جنبًا إلى جنب مع الحكومة العراقية الجديدة، تمكنت بيل من تأسيس المتحف الوطني العراقي، ولتكريم مساهماتها في هذا الشأن عين الملك فيصل بيل مديراً للآثار، حيث جاهدت بضراوة للحفاظ على القطع الأثرية لبلاد ما بين النهرين في العراق بدلاً من انتقالها الى المتاحف البريطانية.

استقرت جيرترود بيل في النهاية في بغداد وتفرغت للآثار، وعاشت سنواتها الأخيرة هناك وهي تعاني من أمراض الرئة، وقد عُثر عليها في 12 يوليو 1926م ميتة بسبب جرعة زائدة من الحبوب المنومة، وليس من المعروف لحد هذا اليوم، فيما إذا كانت وفاتها انتحارًا أو حادثًا طبيعياً.
شارك الملك فيصل الأول بتشيعها، ودفنت في بغداد، في مقبرة الإنجليز في منطقة الباب المعظم وسط بغداد.
