عندما كانت بغداد تُطفئ أنوارها لتضيء شاشات السينما

كتبه : مصطفى شاكر _ العراق

في خمسينيات وستينيات القرن الماضي لم تكن دور السينما في بغداد مجرد شاشة بيضاء تُعرض عليها الأفلام، بل كانت عبارة عن أماكن تحتضن طقساً اجتماعياً وثقافياً ينتظره البغداديون كل أسبوع.

كان مساء الخميس يحمل نكهة مختلفة؛ العائلات ترتدي أجمل ملابسها، والشباب يتزاحمون أمام شبابيك التذاكر، فيما تمتد طوابير المشاهدين على أرصفة شارع الرشيد والسعدون، وكانت السينما آنذاك جزءاً من هوية بغداد الحديثة، وواحدة من أبرز علامات ازدهارها الثقافي.

 

▪️البداية في شارع الرشيد

 

كان شارع الرشيد وسط بغداد القلب النابض للسينما العراقية، حيث انتشرت فيه أشهر دور العرض التي أصبحت علامات شاخصة في ذاكرة العراقيين، وكان من أبرزها :

* سينما الزوراء: وهي التي افتُتحت في ثلاثينيات القرن الماضي، وكانت من أشهر دور السينما في العراق، واشتهرت بعرض الأفلام الأمريكية والعالمية، إضافة إلى المسلسلات السينمائية مثل Flash Gordon. وتميز مبناها بطراز معماري أوروبي جعلها من معالم شارع الرشيد.

 

* سينما بابل: افتُتحت في ستينيات القرن الماضي، وكانت من أفخم دور العرض في بغداد، مزودة بأحدث أجهزة العرض في ذلك الزمن. احتضنت العديد من العروض الأولى للأفلام العراقية والعربية والعالمية، وأصبحت مقصداً لعشاق السينما من مختلف مناطق العاصمة. (مهرجان بغداد الدولي للأفلام).

* بالإضافة إلى سينما سميراميس، سينما أطلس، سينما السندباد، سينما النصر، سينما الخيام، سينما فيصل، سينما ريجنت، سينما مترو، سينما الفردوس، سينما هوليوود، سينما الهلال، سينما رويال، سينما الوطني وسينما سنترال، وكل واحدة منها كانت تستقطب جمهوراً خاصاً، فمنها ما اشتهر بالأفلام الأجنبية، ومنها ما تخصص بالأفلام العربية، فيما كانت بعض الدور توفر قاعات خاصة للعائلات وخدمات تكييف متطورة قياساً بوقتها. (مهرجان بغداد الدولي للأفلام).

 

▪️ ولادة السينما العراقية

 

بدأت السينما العراقية بخطوات متواضعة، فكان أول عرض سينمائي في بغداد عام 1909م، ثم تأسست أول دار سينما عام 1911م في ساحة الميدان. أما الإنتاج السينمائي المحلي الحقيقي فقد انطلق في أربعينيات القرن الماضي مع تأسيس استوديو بغداد عام 1948م، ثم تأسيس مصلحة السينما والمسرح الحكومية عام 1959م والتي لعبت دوراً مهماً في تطوير الصناعة السينمائية. (مهرجان بغداد الدولي للأفلام).

▪️ أبرز الأفلام العراقية التي رسخت في الذاكرة

 

شهدت خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي ظهور أعمال أصبحت علامات بارزة في تاريخ السينما العراقية، وكان من أهمها:

 

* ابن الشرق (1946): أول فيلم عراقي – مصري مشترك.

* عليا وعصام (1949): أول فيلم صُوِّر بالكامل داخل العراق.

* فتنة وحسن (1955): من إخراج حيدر العمر، ويُعد من أنجح الأفلام العراقية جماهيرياً، حتى شُبّه بقصة “روميو وجولييت” العراقية.

* سعيد أفندي (1957): تناول الحياة البغدادية والطبقة الوسطى بأسلوب واقعي.

* أدبته الحياة (1958): أقصر فيلم عراقي، ومدته 35 دقيقة.

* نبوخذ نصر (1962): أول فيلم عراقي ملوّن.

* الجابي (1968): أول إنتاج للقطاع الحكومي.

* الظامئون (1972): للمخرج محمد شكري جميل، ويُعد من روائع السينما العراقية.

* بيوت في ذلك الزقاق (1977): أثار جدلاً رقابياً بسبب نهايته، ويُعد من أهم الأفلام الواقعية العراقية.

* المسألة الكبرى (1983): من أضخم الإنتاجات العراقية، وتناول ثورة العشرين. (مهرجان بغداد الدولي للأفلام)

▪️ رواد الفن الأوائل، نجوم عراقيون أضاءوا الشاشة

 

ارتبطت تلك المرحلة بأسماء أصبحت جزءاً من الذاكرة العراقية، مثل يوسف العاني، خليل شوقي، ناهدة الرماح، سامي عبد الحميد، قاسم الملاك، زينب، وآخرين ممن صنعوا ملامح السينما والمسرح العراقي.

وقد كان قاسم الملاك من أبرز نجوم شباك التذاكر في السينما العراقية خلال الثمانينيات، إذ كان اسمه وحده كفيلاً بجذب الجمهور. (مهرجان بغداد الدولي للأفلام).

 

▪️ عندما كانت السينما عيداً أسبوعياً

 

لم يكن الذهاب إلى السينما مجرد مشاهدة فيلم، بل كان رحلة اجتماعية كاملة. تبدأ بشراء التذكرة، ثم الوقوف أمام الملصقات الضخمة التي تزين واجهات الدور، وبعدها يدخل الجمهور إلى القاعة التي تعبق برائحة المقاعد الخشبية والفشار، لتُطفأ الأنوار ويبدأ السحر.

 

كانت دور السينما تتنافس في عرض أحدث الإنتاجات المصرية، مثل أفلام عبد الحليم حافظ وفاتن حمامة وأحمد مظهر، إلى جانب أحدث أفلام هوليوود، بينما كانت الأفلام العراقية تُعرض وسط اهتمام جماهيري كبير، خصوصاً عندما تتناول قصص المجتمع البغدادي وهمومه. (جريدة الزوراء العراقية)

 

▪️ خاتمة

 

اليوم، قد تكون معظم تلك الشاشات قد أطفأت أنوارها، وتحولت بعض مبانيها إلى محال تجارية أو مخازن، أو بقيت شاهدة بصمت على زمن مضى، لكن ذاكرة بغداد ما زالت تحتفظ بصوت آلة العرض، وصفير بداية الفيلم، وتصفيق الجمهور عند نهاية المشهد الأخير.

كانت السينما العراقية أكثر من صناعة فنية؛ كانت مرآةً لمدينة أحبّت الثقافة، وآمنت بأن الشاشة البيضاء قادرة على أن تجمع الناس حول حلمٍ واحد، وأن تحفظ ملامح بغداد في زمنها الذهبي للأجيال القادمة.

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.