فيلم “ستة أشهر في المبنى الوردي والأزرق” يكسر المحرمات في مهرجان كان 2026
متابعة | مدار 24
يمزج المخرج برونو سانتاماريا رازّو في فيلمه المشارك في “أسبوع النقاد” بمهرجان كان، بين الوثائقي والروائي ببراعة فائقة.
▪️ العنوان: ستة أشهر في المبنى الوردي والأزرق
▪️ إخراج: برونو سانتاماريا رازّو
▪️ إنتاج: المكسيك، البرازيل، الدنمارك
▪️ المدة: 105 دقيقة
يمنح المزيج الأنيق بين الوثائقي والروائي الكاتب والمخرج برونو سانتاماريا رازّو فهمًا أعمق لتاريخ عائلته في فيلمه “ستة أشهر في مبنى وردي وأزرق”. ومن خلال استكشاف الذكريات والأسرار والمخاوف غير المعلنة التي شكلت طفولته، ينسج رازّو قصة نضوج رقيقة تمهد الطريق نحو مواجهة عاطفية حتمية مع الماضي. ويبدو أن الفيلم موعود بجولات إضافية في المهرجانات السينمائية بعد عرضه العالمي الأول في مسابقة “أسبوع النقاد” بمهرجان كان.
خصوصية الطرح والملاحظة الدقيقة تجعل صدى الفيلم يتجاوز حدود السيرة الذاتية.
سبق لرازّو أن تناول قضايا العائلة والهوية والجنسانية في فيلميه الوثائقيين “مارغريتا” و”أشياء لا نجرؤ على فعلها”. وقد بدأ مشروعه الحالي بتصوير مقابلات عائلية لعلها تسلط الضوء على أمور ظلت غامضة أو دون حل منذ سنواته الأولى؛ وشكلت هذه المقابلات نقطة الانطلاق لتجسيد روائي يستحضر تلك الحقبة ومشاعرها. يبدأ الفيلم بينما تستعد والدته “ديانا” لمواجهة أسئلته؛ تلتقط أنفاسها وتستجمع قواها، لتتلاشى الشاشة بعد ذلك إلى السواد وتنتقل بنا إلى القصة الروائية.
في مكسيكو سيتي خلال فترة التسعينيات، يواجه “برونو” البالغ من العمر 11 عامًا ووالدته “ديانا” الأنباء الصادمة المتمثلة في إصابة والده الرسام “موندو” بفيروس نقص المناعة البشرية. كانت الإعلانات التلفزيونية والدروس المدرسية آنذاك تعج بقصص التخويف، والتحذيرات الصارمة، والربط العشوائي والمجحف بين المرض ومجتمع الميم.
يحدث هذا في الوقت الذي يبدأ فيه برونو بإدراك أن مشاعره تجاه زميله في المدرسة “فلاديمير” تتخطى حدود الصداقة العادية. هذا المزيج من القلق الشخصي والمجتمعي سيشكل النظرة المستقبلية للصبي تجاه هويته الجنسية وفكرة الإفصاح عنها بشكل دائم.
يستحضر رازّو ببراعة حياة العائلة الصاخبة التي نشأ فيها؛ فرغم غياب شقيقه الأكبر “دييجو” أغلب الوقت، إلا أن المنزل يضج دائمًا بالناس والموسيقى والاحتفالات والإبداع. وتأتي أغنية المطربة الإسبانية الشهيرة روسيو خورادو “Ese Hombre” لتعزز الطابع الدرامي للمشاهد الأولى، في حين نجح التصميم الإنتاجي في خلق إحساس واقعي بأماكن مأهولة تعج بالأثاث الحيوي والألوان الزاهية وورق الحائط المزين بنقوش الزهور. وتتحول التغييرات في ديكور الغرف إلى طبقات متراكمة من الماضي، تحجب الذكريات وتمحو أثر الأفراد.
يبدو برونو وفلاديمير متلازمين في المدرسة والمنزل؛ يتسلل الصبيان وراء الكواليس أثناء تصوير المخرج باز لورمان لفيلم “روميو + جوليت” في المدينة، ويشاهدان القنوات التلفزيونية المشفرة حديثة العهد، ويشاركان في عرض مسرحي مدرسي. ينعكس شوق برونو لصديقه في نظرات خجولة ومعجبة، وفي تجرؤه على إسناد رأسه على كتف فلاديمير أثناء ركوب المترو.
ثم يتسلل الفتور إلى هذه الصداقة ببراعة شديدة؛ فعندما ينضم الصبيان إلى حصة تمارين “الإيروبيكس” العفوية التي تنظمها ديانا للجيران، يتمايل برونو بخصره مستمتعًا بالحركة، بينما ينزوي فلاديمير في خلفية الغرفة متدربًا على حركات الملاكمة.
تأتي رغبة برونو الخفية كجزء من طبيعة عائلة تعيش تحت وطأة حيوات سرية؛ فديانا هي من تتولى تتبع المخالطين بين أصدقاء موندو وعشاقه، وتبدأ في التساؤل عن مدى معرفتها الحقيقية به. ويعد المشهد الذي يجمع برونو بوالده وهو يسأله بصراحة غير معتادة عما سيحدث عندما يموت، أحد أبرز مشاهد الفيلم وأكثرها تأثيرًا.
يعتبر الممثل الصغير ريس فازكيز اكتشافًا حقيقيًا في دور برونو؛ إذ ينجح شعره المجعد ونظرات براءته الواسعة وحيويته في تجسيد هشاشة الشخصية بشكل مثالي. في المقابل، تمنح إسبينوزا شخصية ديانا قوة إرادة وصلابة واضحتين، بينما يضفي غابينو هالة من الشجن والسوداوية على شخصية موندو.
يتميز الفيلم بابتكار يبتعد عن الاستعراض، ويتضمن مقاطع رسوم متحركة، ليعود في النهاية إلى مقابلة رازّو مع والدته الحقيقية حيث تنقلب الأدوار وتبدأ هي بطرح الأسئلة عليه. وتأتي بعض المكاشفات المتأخرة لتعيد تشكيل كل ما سلف برؤية جديدة. قد يمثل الفيلم علاجًا نفسيًا شخصيًا لرازّو، لكن خصوصيته وملاحظاته الدقيقة تمنحه صدى يمتد إلى ما هو أبعد بكثير من مجرد سيرة ذاتية.
