رَشْفَةٌ مِنْ دِنانِ الأرواح || مختاراتٌ من رباعيات الشيخ البهائي

ترجمة عن الفارسية وتقديم : علي رضا حائري

يُعَدُّ الشيخُ البهائيّ من الشخصيات العلمية الموسوعية البارزة في تاريخ الحضارة الإسلامية؛ فقد جمع بين الفقه والحديث والتفسير والرياضيات والهندسة والفلك والطب والأدب والعلوم الطبيعية، إلى جانب التصوف والفلسفة والأدب، وكل علوم وفنون زمانهِ حتى باتَ يُعرف بلقبِ «ذي الفنون»، فلم يكن علمُه حبيسَ مجالٍ واحد، بل امتدّ إلى ميادينَ شتّى، حتى غدا مثالاً للعالِم الموسوعي الذي تتآلف في شخصيته دقّةُ العالم، وعمقُ الفيلسوف، وذائقةُ الأديب.

لم يقتصر نتاج الشيخ البهائي الأدبي على الكتابة العلمية، بل خلّف شعراً متنوّعاً في موضوعاته وأساليبه، يجمع بين الحكمة والموعظة والنقد الاجتماعي والطرافة، ويتّسم بوضوح العبارة، وسلاسة الأسلوب، وقرب الصورة، والقدرة على توظيف الحكاية والرمز والمفارقة في خدمة المعنى، وتشهد على هذا التنوع مجموعاته الشعرية وأعماله الأدبية، مثل: «نان و حلوا»، و«شير و شكر»، و«نان و پنير»، و«موش و گربه»، فضلاً عن «الكشكول»، الذي يكشف بدوره عن سعة ثقافته وتنوّع اهتماماته؛ الأمر الذي يجعل شعره نموذجاً مميزاً للأدب الفارسي الذي يزاوج بين العمق الفكري والجمال الفني، وبين الحكمة والوعظ، وبين الجدّ والطرافة.

كان الشيخ البهائي شاعرًا رقيق الحسّ _كما نلمس ذلك في رباعياته_ عميق التأمل، صاغ في شعره ما تفرّق في علومه من حكمةٍ وفلسفةٍ وعرفان. وإذا كان كيانُه الفكري والروحي يقوم على مثلثٍ تتساوى أضلاعه بين : الفلسفة، والدين، والتصوف؛ فإن الشعر، في تقديري، هو جيبُ تمامِ هذه الزاوية؛ فيه تتقاطع تلك الأبعاد، وتتحول المعارف إلى إحساس، والحكمة إلى صورة، والعرفان إلى نغم.

ومن دِنان الشيخ البهائي نرتشف رشفاتٍ من خمرة الحكمة والمعرفة، في رباعياتٍ تتجاور فيها إشراقاتُ الروح مع تأملات العقل، وتتمازج فيها رهافةُ الشعر بعمق الفلسفة وهذه مختاراتٌ مترجمةٌ من شعره، تعبر من ضفاف اللغة الفارسية إلى العربية، حاملةً شيئًا من عبق الأصل، ودفء المعنى، وسحر الصورة.

تكشف هذه الرباعيات عن شاعرٍ لم يكن الشعر عنده زينةَ القول ولا تسلية أوقات الفراغ، بل مرآةً لعقلٍ متأملٍ وروحٍ قلقةٍ في بحثها عن الحقيقة، ففي أبياته تتعانق الحكمة والعرفان والفلسفة، وتمتزج رهافةُ الحسّ بعمقِ التجربة وسخريةِ العارف. ولعلّ هذه الرشفات من دنان الشيخ البهائي لا تُغني عن الارتواء من شعره، لكنها تفتح للقارئ باباً إلى عالمٍ تتجاور فيه لذّةُ الشعر مع نشوةِ المعرفة :
__________________________________

كانت الأرواح تُسقى كلاماً عذباً من شفتيهِ
ومن خصلاتِ شعرهِ المبعثرة ينسكب الكفرُ
لو أدرك الشيخُ كفرَ خصلاتِ شعره
لنثرَ الترابَ الأسودَ فوق رأسِ إيمانه
▪️▪️▪️
بالأمسِ أقبل ذلك البدرُ متورد النقاب من بابي
وما كدنا نُمتّعُ النظرَ بطلعته حتى مضى مسرعًا
فقلتُ: متى أراكَ بعد الآن؟
فقال : عند الفجر ولكن في المنام!
▪️▪️▪️
أيتها العقول اخجلي من جهلِنا وغفلتِنا
فقد اضطرب الخلقُ كلُّه من شدةِ اضطرابِنا
صنم في أحضانِنا، وجباهُنا ساجدةٌ أمامَه
والكافرُ يضحكُ من إسلامِنا!
▪️▪️▪️
مالُكَ الذي لا يستطيعُ الناسُ سلبَه :علمُك
وحِرزُكَ الذي يبلغُ بك الحقَّ :علمُك
فلا تبتغِ في هذا العالمِ غيرَ العلم
فالعلمُ وحدَه ما ينقذُكَ من الغمِّ
▪️▪️▪️
الحاجُّ في طوافِه حولَ الكعبةِ يكدُّ ويجتهد
وما يصنعه من سعيٍ وطوافٍ كلُّه حسنٌ وصواب
غيرَ أنّ تقصيرَه أن يُحضرَ شخصًا آخر
فيجعله قربانًا، عوضًا عنه، في سبيلِ الحبيب
▪️▪️▪️
رأيتُ البارحةَ في الحانةِ زاهدًا سكرانًا
وفي عنقهِ مسبحةٌ، وفي يدهِ الكأس الصُراح
قلتُ له: ما الذي جاء بك إلى الحانة؟
قال: حتى من الحانةِ طريقٌ إلى الحق
▪️▪️▪️
مَن ذمّني، فذلك من سوء طويّته
ومَن قال فيّ خيرًا، فذلك من طيب سريرته
وحالُ المتكلّمِ يُعرَفُ من كلامه
فليس يخرجُ من الإناءِ إلا ما كان فيه
▪️▪️▪️
نقّحَ قلبُ البهائيِّ نفسَه حتى غدا خالصًا
وسخِرَ من العقلِ في مجلسِ العشق
ثم مزّقَ أوراقَ كتبِ العلومِ الرسمية
وجعلَ منها ورقًا للنوافذ
▪️▪️▪️
إنّ الكلمةَ التي تفتحُ عن قلبك بابَ غمٍّ
لا تُقالُ إلا في صحبةِ منكسري القلوب
وكلُّ زجاجٍ إذا انكسرَ فقدَ قيمتَه
إلا زجاجَ القلب؛ فإنّ قيمتَه تزدادُ بانكساره
▪️▪️▪️
قلتُ لقلبي:إلى متى أظلُّ في عالمِ الكونِ والفساد
أكابدُ الهمَّ، وقد أضناني جسدي وأعجزني؟
قال القلب :إنك قريبٌ من الموت، فما الذي يحزنك؟

إنما البائسُ حقًّا من وُلدَ في هذه اللحظة

▪️▪️▪️
أرأيتَ كيف أنّ البهائيَّ، حين أزاحَ عن رأسه غمَّ العلم

خرجَ من المدرسة واتخذَ الديرَ مأوى؟
مزّقَ مجموعَ كتبِ العلومِ المدرسية
وجعلَ أوراقَها لفائفَ للحلوى
▪️▪️▪️
ما لم تفنَ عن نفسك، فلن يُفسَحَ لك الطريق
وما دمتَ دون الهمّة، فلن تُمنَحَ هذه المنزلة
فإن لم تُبدِ استعداداً كالشمعةِ للاحتراق
فلن يُسلَّمَ إليك خيطُ النور
▪️▪️▪️
القلب يريد جورك، يا قاطعَ حبائل المودّة
ويريدُ أن يصلَ نفسَه بحزنِك ويتّصلَ به
كان قلبُك يريدُني بلا قلبٍ ولا دين
فَعُدْ؛ فقد صرتُ كما يشتهي قلبُك
▪️▪️▪️
بحثنا طويلًا عن كنزٍ مدفونٍ في أعماقِ الأرض
ثم انتهينا أخيرًا إلى الجلوسِ على أذيال فقرِنا
ماضينَ بعزمِ الرجال، متجاوزينَ الآدابَ والرسوم
حتى كسرنا في النهاية هذا القيدَ الذي كان يقيّدُ أقدامَنا
▪️▪️▪️
قلتُ:يا ذا الوجهِ كزهرِ التوليب
إذا ظفرتُ بوصالك، ماذا أهديك؟ أهديك روحي!
فقال:يا بهائي، دع عنك هذا الفضول
فالروحُ نفسُها منّي، فهاتِ لي هديةً غيرَ روحك!
▪️▪️▪️
ما استطعتَ إلى ذلك سبيلًا، يا عزيزي
فابتعدْ عن الخلق، وتعلّقْ بأذيالِ العزلة
إن هولاء الناس بشرٌ مجازاً وهم في الحقيقة
أنسناس، فالحذر الحذر من الإنساني المجازي
▪️▪️▪️
أصلحنا قلبًا لم يكن في داخلهِ مصباح
فأودعناه بيتَ العزلةِ طلبًا لإصلاحه
وكتبنا على باب البيت: «فَفِرُّوا مِنَ الخَلْقِ»
ثم أغلقناه بقفلٍ عجزَ الصانعُ عن إيجاد مفتاحٍ له
▪️▪️▪️
من شوقي إلى سماعِ وقعِ خُطاك، يا سالبَ العقل
ومن فرطِ التطلّع إلى رؤيتك، يا منبعَ الهناء
كالمترقّبين، بكلِّ لحظةٍ مئةَ مرّة تخرجُ الروحُ
إلى بابِ العينِ، ويصغي القلبُ عندَ الأذن
▪️▪️▪️
ليس في المدرسة حلالٌ سوى دمِ القلب
ولا سبيلَ فيها إلى راحةِ البال؛ محالٌ، محال!
العجيبُ أنّ هذا التحصيلَ الذي يُنالُ بدمِ القلب
ليس في الدارَينِ كلتيهما إلا وبالًا، وبالًا!
▪️▪️▪️
منذُ بداية عُمري وأنا أُصيبُ بسهمِ الفقرِ المرير
وقد توّجتُ هامتي بتاجِ الإفلاسِ والتعاسة
ولو شرحتُ شيئًا يسيرًا من فقري وعَوَزي
لقلتُ:إنّني محتاجٌ بقدرِ ما أنّ اللهَ غنيٌّ

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.