الهولندي ميخيل يان دي خويه المستشرق الذي أعاد المخطوطات العربية إلى دائرة البحث العلمي

متابعة | مدار 24

يعد المستشرق الهولندي “ميخيل يان دي خويه” أحد أهم أعلام الاستشراق في القرن التاسع عشر، وأحد أكثر الباحثين تأثيراً في مجال نشر المصادر التاريخية والجغرافية العربية.

ولد دي خويه في مدينة فرنكر الهولندية عام 1836م، ودرس اللغات الشرقية في جامعة لايدن، التي كانت آنذاك من أهم المراكز الأوروبية المتخصصة في الدراسات العربية والإسلامية. ولم يقتصر اهتمامه على تعلم اللغة العربية، بل اتجه إلى دراسة التاريخ الإسلامي والجغرافيا والرحلات، معتمداً على المخطوطات الأصلية المحفوظة في مكتبات أوروبا والشرق.

في زمن كان فيه كثير من المؤلفات العربية لا يزال محفوظاً في خزائن المكتبات، بعضها لم يُطبع قط، أدرك دي خويه أن خدمة التاريخ لا تكون بالتأليف فقط، بل أيضاً بإعادة إخراج المصادر القديمة وفق مناهج علمية دقيقة. ولذلك كرّس سنوات طويلة من حياته لجمع النسخ المختلفة من المخطوط الواحد، ومقارنتها، وتوثيق الفروق بينها، ثم نشرها في طبعات أصبحت مراجع أساسية للباحثين.

وكان أبرز إنجازاته الإشراف على الطبعة العلمية لتاريخ الطبري، أحد أهم كتب التاريخ الإسلامي، التي صدرت في مدينة لايدن بين عامي 1879 و1901، بمشاركة عدد من كبار المستشرقين. وقد أصبحت هذه الطبعة أساساً اعتمدت عليه الجامعات والمراكز البحثية لعقود طويلة، قبل أن تظهر طبعات عربية حديثة استندت إلى جهود التحقيق نفسها.

ولم يتوقف عمله عند تاريخ الطبري، بل أسهم أيضاً في نشر وتحقيق عدد كبير من المصادر العربية المهمة، من بينها :
* البلدان لليعقوبي.
* فتوح البلدان للبلاذري.
* مسالك الممالك للإصطخري.
* كتب جغرافية ورحلات ضمن سلسلة Bibliotheca Geographorum Arabicorum، التي ضمت نصوصاً عربية جغرافية نادرة، وأسهمت في تعريف الباحثين بتاريخ المدن والطرق التجارية والعالم الإسلامي في العصور الوسطى.

كما نشر دراسات علمية تناولت الجغرافيا الإسلامية، وتاريخ الخلافة، والحركة العلمية عند المسلمين، واعتمد في أبحاثه على قراءة النصوص العربية مباشرة، وهو ما منح أعماله قيمة أكاديمية كبيرة.

ويجمع الباحثون على أن أهمية دي خويه لا تكمن في كتابة تاريخ جديد، وإنما في تحقيق المصادر التاريخية والمحافظة عليها من الضياع، وإتاحتها للأوساط الأكاديمية بصورة علمية. فقد كانت جهوده سبباً في وصول عشرات الكتب العربية إلى أيدي المؤرخين والدارسين، بعد أن بقيت قروناً طويلة في صورة مخطوطات يصعب تداولها.

ومع ذلك، ينظر الباحثون اليوم إلى أعمال المستشرقين، ومن بينهم دي خويه، في إطارها التاريخي والأكاديمي؛ إذ استفادوا كثيراً من جهودهم في حفظ ونشر التراث، مع التأكيد على ضرورة قراءة تحقيقاتهم ومقدماتهم بروح نقدية، لأن بعض آرائهم تأثرت بالمناهج الاستشراقية السائدة في أوروبا خلال القرن التاسع عشر.

توفي ميخيل يان دي خويه عام 1909م، لكن اسمه بقي مرتبطاً بإحدى أهم المراحل في تاريخ تحقيق المخطوطات العربية. وما زالت طبعاته، رغم مرور أكثر من قرن على صدورها، تُذكر في الهوامش العلمية، ويعود إليها الباحثون بوصفها محطة مهمة في مسيرة نشر التراث العربي والإسلامي.

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.