في ذكرى رحيل الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي شاعر المنافي الذي حمل العراق في قصائده
أعداد : مصطفى شاكر | خاص بمدار 24
في الثالث من آب من كل عام، يستذكر الوسط الثقافي العربي رحيل الشاعر العراقي الكبير عبد الوهاب البياتي، أحد أبرز رواد الشعر الحر في العالم العربي، وصاحب التجربة الشعرية التي تجاوزت حدود المكان والزمان، حتى أصبح اسمه مقترنًا بالحداثة الشعرية، والمنفى، والحرية، والإنسان.
رحل البياتي في 3 آب/أغسطس 1999م في العاصمة السورية دمشق إثر نوبة قلبية، شكل صدمة كبيرة للوسط الثقافي العراقي والعربي، فبعد حياة حافلة بالشعر والترحال والإبداع، تاركًا وراءه عشرات الدواوين التي ما تزال تُقرأ حتى اليوم، ظل اسمه مؤثرا بين كل الأجيال القادمة.
ولد عبد الوهاب البياتي في بغداد يوم 19 كانون الأول 1926م، بالقرب من مرقد الشيخ عبد القادر الكيلاني، درس في دار المعلمين العالية وتخرج عام 1950م، ثم عمل مدرسًا للغة العربية، قبل أن يتفرغ للصحافة والثقافة والعمل الدبلوماسي.
كان الثلاثي : البياتي، إلى جانب بدر شاكر السياب ونازك الملائكة، من أبرز مؤسسي حركة الشعر الحر في العراق والعالم العربي، وقد أحدث هذا التيار ثورة حقيقية في بنية القصيدة العربية، إذ تحرر من نظام البيت التقليدي، مع الحفاظ على موسيقى الشعر وروحه، فاتحًا آفاقًا جديدة أمام الأجيال اللاحقة.
لم تكن حياة البياتي مستقرة فقد عاش سنوات طويلة متنقلًا بين بغداد ودمشق وبيروت والقاهرة وموسكو ومدريد، وشغل مناصب ثقافية ودبلوماسية، إلا أن المنفى ظل حاضرًا في معظم قصائده، حتى وصفه النقاد بأنه “شاعر المنافي”، لأن الغربة تحولت في شعره إلى وطن آخر يسكنه الإنسان كلما ابتعد عن أرضه.
ومن أشهر دواوينه الشعرية التي أصدرها في حياته : ملائكة وشياطين (1950) / أباريق مهشمة / المجد للأطفال والزيتون / رسالة إلى ناظم حكمت وقصائد أخرى / أشعار في المنفى / النار والكلمات / الذي يأتي ولا يأتي / عيون الكلاب الميتة / الكتابة على الطين / قصائد حب على بوابات العالم السبع / سيرة ذاتية لسارق النار / قمر شيراز.
امتاز شعره بكثرة الرموز والأساطير، فاستحضر شخصيات مثل الحلاج والمتنبي وجلجامش ولوركا وناظم حكمت، وجعل منها رموزًا للحرية والتمرد والبحث عن العدالة. وكانت قصيدته تمزج بين الواقع والأسطورة، وبين الهم الشخصي والقضية الإنسانية، لذلك تُرجمت أعماله إلى لغات عديدة، وحظيت باهتمام واسع في الجامعات العربية والعالمية.
نال البياتي عددًا من الجوائز والتكريمات، من أبرزها جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية في مجال الشعر (1994–1995) تقديرًا لمنجزه الأدبي وإسهامه في تطوير القصيدة العربية الحديثة.
تقف منصة #مدار_24 في ذكرى رحيل البياتي، لاستذكار رواد الشعر الحديث في العراق، إذ يبقى عبد الوهاب البياتي واحدًا من أعمدة الشعر العربي الحديث، وشاعرًا لم يتوقف في الدفاع عن الإنسان والحرية والجمال. فقد عاش متنقلًا بين المدن، لكنه ظل يحمل العراق في ذاكرته وقصائده، حتى غدا اسمه صفحة مضيئة في تاريخ الأدب العربي الحديث، وما زالت قصائده تلهم القراء والشعراء بعد أكثر من ربع قرن على رحيله.
وانتخبنا بعضا من أشهر أبياته ونصوصه التي تعكس إحساسه بالغربة :
أحملُ منفايَ في عينيَّ
وأسكنُ في وطنٍ من الكلمات.
▪️
الوطن الحقيقي هو الذي يسكن الإنسان،
لا الذي يسكنه الإنسان.
▪️
كل ما نحبه
يرحل أو يموت
▪️
فتعالي نمارس موت طيور البحر الأخرى
فوق سرير الحب الممنوع
إنتحب في صمت فالليل طويلٌ
في مدن الثورات المغدورة
و البحر الأبيض في قبضة بوليس الدول الكبرى
يبحث عن أسماء العشاق المشبوهين.
▪️
رأيتك في مبغى هذا العالم
في أحضان رجال و سماء تمضين الليل
بكيت , رآني البوليس وحيداً
في مدن الثورات المغدورة
مجنوناً أتحدث عنك.
▪️
أكذا نموت بهذه الأرض الخراب ؟
ويجفّ قنديلُ الطفولةِ في التراب ؟
أهكذا شمس النهار
تخبو وليس بموقد الفقراءِ نارْ ؟
▪️
أهكذا تمضي السنون ؟
ونحنُ مِنْ مَنْفَى إلى مَنْفَى ومن بابٍ لبابْ
نَذْوِي كَمَا تَذْوِي الزَّنَابِقُ في التُّرَابْ
فُقَرَاء ، يا قَمَرِي ، نَمُوت
وقطارُنا أبداً يَفُوت
▪️
إني بلا وطن
اموت في مدينة مجهولة
اموت يا حبيبتي
وحدي
بلا وطن
▪️
يأتي ولا يأتي أراه مقبلا
نحوي، ولا أراه تشير لي
يداه من شاطئ الموت
الذي يبدأ حيث تبدأ الحياة
▪️
لا تقترب
فهذه الارض إذا أحببت فيها
حكم القانون عليك بالجنون.
