ذاكرة العراق المصوّرة : مشروع يوثّق تاريخ أكثر من قرن للعراق بالصور والوثائق

خاص | مدار 24

 

في زمنٍ تتعرض فيه الذاكرة الوطنية للضياع، برز مشروع عراقي طموح يحمل رسالة تتجاوز مجرد حفظ الصور القديمة، ليصبح أرشيفًا رقميًا يوثق حياة العراقيين عبر أكثر من مئة وخمسين عامًا. إنه متحف “ذاكرة العراق المصوّرة” الذي أسسه وأشرف على توثيقه الأستاذ الدكتور فراس محمد بعد نحو تسع سنوات من البحث والجمع والتدقيق، ليضع بين أيدي الباحثين والمهتمين واحدًا من أكبر المشاريع الرقمية الخاصة بتاريخ العراق الحديث.

 

المتحف ليس معرضًا للصور فحسب، بل قاعدة بيانات تاريخية متكاملة، تضم آلاف الصور الفوتوغرافية التي تؤرخ للعراق منذ عام 1852 وحتى عام 2003. وكل صورة في الأرشيف لا تُعرض باعتبارها لقطة عابرة، وإنما بوصفها وثيقة تاريخية تحمل تاريخًا ومكانًا ووصفًا ورقمًا أرشيفيًا دائمًا، إضافة إلى رابط ثابت يمكن للباحثين والجامعات الاستشهاد به في الدراسات الأكاديمية.

 

ومن أبرز ما يميز المشروع أنه أعاد إحياء جزء كبير من الصحافة العراقية القديمة؛ إذ يوفر أكثر من 31 ألف صفحة من الصحف العراقية، جرى تحويلها إلى نصوص قابلة للبحث، بحيث يستطيع المستخدم البحث داخل مضمون الأخبار والمقالات نفسها، وليس في عناوين الأعداد فقط، وهي ميزة تمثل نقلة مهمة للباحثين في التاريخ والإعلام والأدب.

 

ولا يقتصر الأرشيف على الصور والصحف، بل يضم أيضًا 570 فيلمًا ومقطعًا مصورًا، إلى جانب خرائط تفاعلية، وخط زمني للأحداث، وفهرس للأعلام، وإحصاءات تُحدّث باستمرار، مما يجعل الموقع منصة متكاملة لاستكشاف التاريخ العراقي بطريقة حديثة وسهلة. كما يوفر نسخة كاملة باللغة الإنجليزية، وبحثًا متقدمًا، وإمكانية تثبيت الموقع كتطبيق يعمل على الهواتف الذكية، مع أدوات لمشاركة الصور وبطاقاتها التوثيقية.

 

ومن الجوانب اللافتة في المشروع اعتماده على مبدأ المشاركة المجتمعية فالموقع متاح مجانًا للجميع، ويمنح الزائر فرصة الإبلاغ عن أي خطأ في التوثيق أو إضافة معلومات جديدة عبر زر مخصص داخل كل صفحة، في محاولة لبناء أرشيف حي يتطور باستمرار بمساهمة الباحثين والمهتمين.

 

تكمن أهمية “ذاكرة العراق المصوّرة” في أنه لا يحفظ صور الشخصيات والأماكن فحسب، بل يحفظ تفاصيل الحياة اليومية للعراقيين، من المدارس والأسواق والجسور والقطارات والأنهار والاحتفالات والبيوت والوجوه، لتتحول الصورة إلى شاهد على حقبة كاملة من تاريخ البلاد.

 

وفي وقت تتسابق فيه الدول لحفظ ذاكرتها رقمياً، يقدم هذا المشروع نموذجًا عراقيًا يستحق التقدير، لأنه يعيد الاعتبار للأرشيف بوصفه جزءًا من الهوية الوطنية، ويجعل تاريخ العراق متاحًا للأجيال الجديدة وللباحثين في مختلف أنحاء العالم.

يمكن تصفح المتحف على الرابط أدناه :

https://iraqmemory.net/

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.