حين أغلقت بغداد أبوابها بقي الكتاب مفتوحًا || ختام الدورة ال 27 من معرض بغداد الدولي للكتاب
تقرير : مصطفى شاكر _ العراق
أسدل معرض بغداد الدولي للكتاب الستار على دورته السابعة والعشرين، مساء السبت 12 أيلول/سبتمبر 2026، بعد عشرة أيام حافلة بالكتب والندوات والحوارات واللقاءات الثقافية، ليغادر الزائرون أروقة المعرض فيما بقيت صورة بغداد الثقافية حاضرة بقوة في المشهد العراقي والعربي.
وأقيمت الدورة خلال الفترة من 2 إلى 12 أيلول، بتنظيم وزارة الثقافة والسياحة والآثار، وبمشاركة أكثر من 600 دار نشر من 28 دولة، بينها 17 دولة عربية و11 دولة أجنبية، إلى جانب مؤسسات ودوائر الوزارة التي شاركت عبر سبعة أجنحة قدمت إصدارات في الأدب والفكر والتاريخ والتراث والآثار وثقافة الطفل.
ومنذ الأيام الأولى للمعرض، بدت أروقة القاعات مزدحمة بالقراء والعائلات والطلبة والمهتمين بالثقافة، واستمر الإقبال بالتصاعد مع مرور أيام الفعالية. وأكد وكيل وزارة الثقافة للشؤون الثقافية فاضل البدراني أن الإقبال كان مرتفعاً ومتزايداً بصورة مستمرة، وشمل مختلف أجنحة المعرض.

ولم يكن المشهد مقتصراً على شراء الكتب، إذ تحولت قاعات المعرض إلى مساحة واسعة للقاءات الثقافية وتبادل الأفكار، فيما جذبت كتب الأدب والرواية والتاريخ والفكر والدين والدراسات الأكاديمية وكتب الأطفال شرائح مختلفة من الجمهور.
وكان حضور العائلات العراقية لافتاً، خصوصاً مع مشاركة الأطفال في التجول بين الأجنحة واقتناء الكتب والمطبوعات الخاصة بهم، في مشهد أعاد التأكيد على أن الكتاب لا يزال قادراً على جذب الأجيال الجديدة رغم منافسة الهاتف والمنصات الرقمية.
تميزت الدورة السابعة والعشرون بتنوع دولي واضح، إذ جمعت دور نشر ومؤسسات ثقافية من دول عربية وأجنبية، الأمر الذي منح المعرض طابعاً يتجاوز حدود السوق المحلية للكتاب، ليصبح مساحة للتواصل بين الناشرين والكتاب والقراء من بيئات ثقافية متعددة.
وضمت المشاركة دولاً عربية عدة، إلى جانب دول أجنبية مثل إيران وتركيا وبلجيكا وفرنسا وألمانيا وهولندا وإنجلترا وكندا والصين والولايات المتحدة، بحسب ما أُعلن عن الدورة.
هذا التنوع انعكس على رفوف الأجنحة التي قدمت عناوين مختلفة في الأدب والفكر والتاريخ والعلوم والرواية والترجمة وثقافة الطفل، إلى جانب الإصدارات العراقية والعربية الجديدة.

وقد حضر المعرض عدد من الأسماء الأدبية والفكرية والفنية من العراق والعالم العربي، ضمن البرنامج الثقافي المصاحب الذي تضمن ندوات وجلسات حوارية وأمسيات وفعاليات متنوعة.
ومن أبرز الأسماء الأدبية التي شاركت في الدورة الروائي الجزائري سعيد خطيبي، والكاتب الأردني جلال برجس، والروائية السورية لينا هويان الحسن، والباحث والمفكر المصري إبراهيم العسال.

كما شهد البرنامج حضوراً فنياً، من بينهم الفنان المصري بيومي فؤاد الذي التقى الجمهور العراقي في ندوة حوارية حظيت بتفاعل وتصفيق لافت، والفنان السوري فايز قزق الذي شارك في إحدى الندوات الثقافية في الأيام الأخيرة من المعرض وتحدث عن تجربته في المسرح والتلفزيون.
لم تتوقف فعاليات الدورة عند عرض الكتب وبيعها، بل امتدت إلى مساحات فنية وثقافية مختلفة. ومن الفعاليات اللافتة تحويل مضامين عدد من الروايات والكتب إلى لوحات تشكيلية، بمشاركة عشرات الفنانين الشباب، في محاولة لخلق حوار مباشر بين الأدب والفن التشكيلي.
كما شهد البرنامج الثقافي ندوات في مجالات الفكر والأدب والاقتصاد وسوق العمل، إلى جانب الأمسيات واللقاءات التي جمعت المثقفين والكتاب والجمهور.
وكان افتتاح الدورة قد شهد حضوراً رسمياً وثقافياً واسعاً، مع رعاية رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، وحضور رئيس الجمهورية نزار آميدي ورئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي، إلى جانب وزراء ومسؤولين وشخصيات ثقافية وإعلامية.
وجاءت الدورة تحت شعار «بغداد عاصمة للثقافة الإسلامية لعام 2026»، لتضيف إلى المعرض بعداً ثقافياً يتصل بتاريخ بغداد ومكانتها بوصفها واحدة من أبرز مدن الثقافة والمعرفة في المنطقة.
مع إغلاق أبواب المعرض، أكدت وزارة الثقافة نجاح الدورة السابعة والعشرين، مشيرة إلى الحضور الجماهيري الواسع وارتفاع معدلات اقتناء الكتب، وهو ما أكدته دور النشر المشاركة. وبذلك لم يكن المعرض مجرد موعد سنوي لشراء الكتب، بل تحول خلال أيامه إلى ملتقى للقراء والناشرين والأدباء والفنانين، ومساحة للتواصل الثقافي بين العراق ومحيطه العربي والدولي.
وفي نهاية المطاف، ترك معرض بغداد الدولي للكتاب صورة مختلفة لبغداد؛ مدينة تستعيد علاقتها بالكتاب من خلال جمهورها، وعائلاتها، وشبابها، وكتّابها وفنانيها. وبينما غادرت آخر الوفود قاعات المعرض، بقيت الكتب على الرفوف، وبقي السؤال الأهم مفتوحاً: كيف يمكن أن تتحول هذه الأيام الثقافية إلى قراءة مستمرة طوال العام؟
ينتهي المعرض، لكن حكاية بغداد مع الكتاب لا تنتهي.
