من مواء القطة إلى أسئلة الفلاسفة || كيف تحولت القطط إلى جزء من تاريخ الإنسان؟

كتبه : مصطفى شاكر _ العراق

قد يبدو غريبًا أن تتحول قطة صغيرة إلى مدخل للحديث عن الفلسفة والفيزياء والأدب والتاريخ، لكن علاقة الإنسان بالقطط أقدم وأعمق مما قد توحي به حياتها اليومية البسيطة.

فهذا الحيوان الذي يشارك الإنسان منزله، ويجلس إلى جواره دون أن يفقد استقلاله، استطاع عبر قرون من الزمن أن يحتل مكانة خاصة في مخيلة البشر. ظهر في الفن والأساطير، ودخل عالم الأدب والتراث، وأصبح موضوعًا للتأمل الفلسفي، بل وصل إلى واحدة من أكثر التجارب العلمية شهرة في تاريخ الفيزياء الحديثة.

والسؤال الذي يبدو بسيطًا : «ما الذي تفكر فيه القطة؟»، يمكن أن يقودنا في النهاية إلى سؤال أكبر بكثير: هل نستطيع أصلًا أن نعرف ما يدور في عقل كائن آخر؟

▪️ حين جعلت قطة فيلسوفًا يشك في نفسه
في أواخر القرن السادس عشر، وجد الفيلسوف الفرنسي ميشيل دو مونتين نفسه أمام سؤال طريف أثناء لعبه مع قطته.

كان يتساءل، بصورة ساخرة وعميقة في الوقت نفسه: هل القطة تعرف أنها تلعب معه، أم أنها ترى الأمر بطريقة مختلفة تمامًا، وربما تعتقد أن الإنسان هو الذي يلعب معها؟

قد تبدو المسألة مجرد موقف يومي بين إنسان وحيوان، لكنها في جوهرها تمس واحدة من أقدم القضايا الفلسفية: هل يمكننا أن نعرف وعي الآخر؟

فالإنسان يستطيع أن يعرف أفكاره ومشاعره من الداخل، لكنه لا يستطيع الدخول إلى عقل شخص آخر ليرى العالم بالطريقة نفسها التي يراه بها ذلك الشخص.

وإذا كان هذا الأمر صعبًا حتى بين البشر، فكيف يمكننا أن نعرف ما تفكر فيه قطة؟ هنا تتحول القطة من حيوان أليف إلى سؤال فلسفي يمس حدود المعرفة نفسها.

▪️ القطة التي دخلت تاريخ الفيزياء
كما لم تتوقف حكاية القطط عند الفلسفة. فبعد قرون، أصبحت قطة أخرى جزءًا من واحدة من أشهر التجارب العلمية في تاريخ الفيزياء، وهي «قطة شرودنغر» التي ارتبطت بالفيزيائي النمساوي إرفين شرودنغر.

لكن من المهم الإشارة إلى أن شرودنغر لم يكن يقترح تجربة حقيقية لإيذاء قطة، وإنما استخدم القطة ضمن تجربة ذهنية لتوضيح مشكلة تتعلق بتفسير ميكانيكا الكم.

تخيل شرودنغر قطة داخل صندوق مغلق، وربط مصيرها بحدث فيزيائي احتمالي. وبسبب طبيعة الوصف الكمي، تظهر المفارقة التي جعلت المثال مشهورًا: كيف نصف حالة شيء لا نعرف نتيجته قبل المراقبة؟

ومن هنا أصبحت قطة شرودنغر رمزًا ثقافيًا يتجاوز الفيزياء نفسها، وأصبحت تستخدم عند الحديث عن الاحتمال، وعدم اليقين، وطبيعة الواقع، وعلاقة المراقب بما يحدث.

وهكذا، إذا كان مونتين قد استخدم القطة ليسأل: «ماذا يدور في عقل الآخر؟»، فإن شرودنغر استخدمها ليسأل بطريقة مختلفة: «ماذا يعني أن يكون الشيء في حالة لا نعرف نتيجتها؟»

▪️ من مصر القديمة إلى عالم الرموز
لكن قصة القطط مع الإنسان لم تبدأ في أوروبا الحديثة، بل كانت متأصلة في الحضارة البشرية، ففي مصر القديمة، حظيت القطط بمكانة بارزة في الثقافة والمعتقدات، وظهرت في الرسوم والمنحوتات والتماثيل، وارتبطت برموز دينية وثقافية متعددة.

وكان المصريون القدماء يرون في بعض الحيوانات رموزًا ذات دلالات تتجاوز طبيعتها الحيوانية، فارتبطت الحيوانات بعالم الآلهة والرموز والأساطير.

ومع القطط تحديدًا، أصبح حضورها واضحًا في الفن المصري القديم، حتى باتت صورها جزءًا من الذاكرة البصرية للحضارة المصرية.

وهذا لا يعني أن كل قطة كانت تُعامل بالطريقة نفسها أو أن المجتمع المصري القديم كان ينظر إليها دائمًا باعتبارها كائنًا مقدسًا؛ فصورتها التاريخية أكثر تعقيدًا من ذلك، لكنها بلا شك احتلت موقعًا مهمًا في الثقافة والفن.

▪️ القطة في التراث العربي
وفي التراث الإسلامي العربي، ارتبطت القطط أيضًا بحضور واضح في الحياة الاجتماعية والثقافية، واشتهرت في كتب التراث روايات وحكايات كثيرة عن التعامل معها.

ومن أشهر ما يتناقله الناس قصة الصحابي عبد الرحمن بن صخر الدوسي المعروف بكنيته «أبو هريرة»، وهي الكنية التي ارتبطت بحبه للقطط واعتنائه بها. وتشير الرواية المشهورة إلى أنه كان يحمل هرة صغيرة، ولذلك عُرف بهذه الكنية.

ومع مرور الزمن أصبحت القطط جزءًا من الصورة الشعبية للحياة اليومية في المجتمعات الإسلامية، وظهرت في الحكايات والأمثال والأدب، كما ارتبطت في الذاكرة الشعبية بالرفق والنظافة والألفة.

لكن من الضروري التمييز بين النصوص الدينية الثابتة وبين الحكايات الشعبية التي تراكمت حول القطط عبر القرون.

لماذا أحب الأدباء القطط؟ ربما تكمن إحدى الإجابات في طبيعة القط نفسه. فالقط ليس حيوانًا يقدّم نفسه للإنسان بصورة كاملة. يعيش معه، لكنه يحتفظ بمساحته الخاصة.

يقترب عندما يريد، ويبتعد عندما يريد، وقد يجلس لساعات صامتًا يراقب ما حوله دون أن يمنح الإنسان تفسيرًا واضحًا لما يفكر فيه. وهذه الصفات جعلته مادة مثالية للأدب.

فالكاتب يستطيع أن يرى في القطة رمزًا للحرية، أو الوحدة، أو الغموض، أو الاستقلال، أو حتى صورة ساخرة للإنسان نفسه.

وقد ظهرت القطط في أعمال أدبية وفنية كثيرة عبر الثقافات، لا باعتبارها مجرد حيوان في خلفية الأحداث، وإنما أحيانًا بوصفها شخصية رمزية تساعد الكاتب على طرح أسئلة عن البشر.

▪️ القطة والإنسان.. من يراقب من؟

ربما أجمل ما في علاقة الإنسان بالقطة أن الأدوار فيها ليست واضحة دائمًا. فنحن نعتقد أننا نراقبها: نلاحظ حركتها، نومها، لعبها، طريقة تناولها الطعام. لكن في لحظات كثيرة يبدو الأمر معكوسًا.

تجلس القطة في زاوية الغرفة، تنظر إلى الإنسان طويلًا، وكأنها هي التي تراقب عالمًا غريبًا لا تفهمه. وهنا تكمن المفارقة الجميلة.

فالإنسان الذي يعتقد أنه الكائن القادر على تفسير كل شيء يجد نفسه أمام حيوان لا يستطيع معرفة ما يدور في داخله. ومن هذه النقطة تبدأ الفلسفة.

ولأن الإنسان يميل إلى تفسير الأشياء التي لا يستطيع فهمها. أصبحت القطة رمزًا للغموض؟

نظرة القطة قد تكون مجرد نظرة، لكنها بالنسبة إلى الإنسان يمكن أن تتحول إلى سؤال: هل تفهمني؟ هل تعرفني؟ هل تفكر بي؟ هل تشعر بما أشعر به؟

وهذه الأسئلة ليست عن القطط وحدها. إنها في الحقيقة أسئلة عن الوعي الإنساني نفسه. فنحن عندما نحاول فهم عقل الحيوان، نكتشف أننا لا نملك وصولًا مباشرًا حتى إلى عقول البشر الآخرين.

نحن نستدل على مشاعر الآخرين من كلماتهم وحركاتهم وتصرفاتهم، ونفعل الشيء نفسه مع الحيوانات. وهكذا تصبح القطة اختبارًا صغيرًا لقدرتنا على فهم «الآخر».

▪️ من الفلسفة إلى العلم.. ومن العلم إلى الأدب

ربما لهذا السبب استطاعت القطط أن تنتقل بين عوالم مختلفة تماما. في الفلسفة أصبحت سؤالًا عن الوعي. وفي الفيزياء أصبحت مثالًا شهيرًا لمناقشة الاحتمال والقياس. وفي التاريخ أصبحت جزءًا من ثقافات وحضارات قديمة.

أما في الفن تحولت إلى موضوع للرسم والنحت والزخرفة. وفي الأدب أصبحت رمزًا للغموض والاستقلال والوحدة.

وفي الحياة اليومية بقيت ببساطة ذلك الحيوان الذي يجلس قرب الإنسان، ثم ينهض ويمضي دون أن يشرح له شيئًا. وهنا ربما تكمن قوتها الحقيقية.

فالقطط لم تدخل تاريخ الإنسان لأنها أقوى الحيوانات أو أكثرها فائدة، وإنما لأنها أثارت فضوله. والفضول هو أحد الأبواب الأولى التي يدخل منها الإنسان إلى المعرفة.

▪️ في النهاية.. ماذا علمتنا القطط؟

قد لا نستطيع أن نعرف على وجه اليقين ماذا تفكر القطة عندما تنظر إلينا. لكننا نعرف شيئًا آخر: أنها جعلتنا نفكر.

جعلتنا نسأل عن وعي الكائن الآخر، وعن حدود معرفتنا، وعن معنى الواقع، وعن الطريقة التي نفسر بها العالم من حولنا.

من قطة مونتين، إلى قطة شرودنغر، إلى القطط التي ظهرت في الفن المصري القديم والأدب والتراث، تبدو الحكاية وكأنها رحلة طويلة بدأت بحيوان صغير وانتهت بأسئلة كبيرة.

وربما أجمل ما يمكن أن نخرج به من هذه الحكاية هو أن الأشياء التي تبدو لنا بسيطة قد تحمل في داخلها أسئلة لا تنتهي.

فقد تجلس قطة على عتبة بيت، ولا تفعل شيئًا سوى النظر. لكن خلف تلك النظرة، يبدأ الإنسان بالتساؤل. ومن التساؤل يبدأ التفكير. ومن التفكير يبدأ العلم والفلسفة والأدب.

وهكذا، ربما لم تكن القطط هي التي دخلت عالم الفلسفة والعلم والأدب… بل كان الإنسان هو الذي وجد في القطط مرآةً يرى فيها أسئلته القديمة عن نفسه والعالم.

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.