اتفاقية مكة وأثر التحوّط الاستراتيجي على الأمن القومي الإيراني

كتبه : علي رضا حائري _ كاتب عراقي

لم تعد التحولات الأمنية في الشرق الأوسط تُفهم من خلال التحالفات التقليدية وحدها. فالدول، في ظل بيئة إقليمية مضطربة وتغير مستمر في موازين القوى، باتت تميل إلى تنويع شراكاتها الأمنية والعسكرية، والإبقاء على أكثر من خيار مفتوح أمامها، بدلاً من الارتهان إلى مظلة واحدة.

وفي هذا الإطار يمكن قراءة اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان بوصفها أحد مظاهر التحوّط الاستراتيجي في البيئة الإقليمية، لا سيما أنها تجمع ثلاث دول تمتلك كل منها عناصر مختلفة من القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية.

وتكتسب الاتفاقية أهميتها من طبيعة أطرافها قبل مضمونها فقط؛ فالسعودية تمثل ثقلاً اقتصادياً وجيوسياسياً أساسياً في الخليج، وتركيا تمتلك قدرات عسكرية وصناعات دفاعية متقدمة وموقعاً استراتيجياً يصل الخليج بالشرق الأوسط وشرق المتوسط، بينما تضيف باكستان إلى المعادلة خبرتها العسكرية وقدرتها الردعية النووية. ومن ثم، فإن جمع هذه القدرات في إطار دفاعي مشترك يفتح الباب أمام إعادة ترتيب بعض عناصر الأمن الإقليمي، وهو ما يجعل الاتفاقية ذات صلة مباشرة بالحسابات الإيرانية، حتى وإن لم تكن إيران طرفاً معلناً في معادلة الاتفاق.

 

▪️ التحوّط الاستراتيجي : من تنويع الشراكات إلى إعادة توزيع القوة 

تكمن أهمية مفهوم التحوّط الاستراتيجي في أنه يساعد على تجاوز القراءة المباشرة للاتفاقية باعتبارها مجرد تحالف دفاعي. فالدولة التي تتبنى سياسة التحوّط لا تقطع بالضرورة علاقاتها مع قوة معينة، ولا تنتقل بصورة كاملة إلى معسكر آخر؛ وإنما تحاول توزيع مخاطرها من خلال بناء شبكة أوسع من العلاقات والشراكات، بما يمنحها خيارات أكبر إذا تغيرت البيئة الاستراتيجية.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو الشراكة السعودية مع تركيا وباكستان بديلاً مباشراً عن المظلة الأمنية الأمريكية بقدر ما تمثل إضافة إلى خيارات الرياض الدفاعية.

وهذه النقطة مهمة في فهم دوافع الاتفاقية؛ فتنويع الشراكات لا يعني بالضرورة التخلي عن التحالفات القائمة، وإنما تقليل الاعتماد عليها بصورة مطلقة. غير أن التحوّط يحمل في الوقت نفسه مفارقة واضحة : ما تراه الدولة وسيلة لزيادة أمنها قد تراه دولة أخرى محاولة لتغيير ميزان القوى ضدها. وهنا تحديداً تبدأ الصلة بين التحوّط الاستراتيجي والأمن القومي الإيراني.

 

▪️ من الأمن الثنائي إلى الأمن الشبكي

أحد التحولات المهمة التي يمكن أن تنتجها اتفاقية مكة هو الانتقال التدريجي من نمط الأمن الثنائي إلى الأمن الشبكي. فقد كانت العلاقات السعودية-الباكستانية تمتلك، قبل الاتفاق الثلاثي، بعداً دفاعياً مهماً، بينما تضيف تركيا إلى هذه العلاقة بعداً جغرافياً وعسكرياً جديداً. فوجود تركيا داخل الترتيب الدفاعي يوسع نطاقه من الخليج إلى شرق المتوسط، في حين توفر باكستان عمقاً آسيوياً مختلفاً، وتمنح السعودية الاتفاق ثقله الاقتصادي والجغرافي. وبهذا يصبح الأمن الناتج عن العلاقات بين الدول الثلاث أكثر تشابكاً من مجرد علاقة دفاعية بين طرفين.

بالنسبة إلى إيران، تكمن حساسية هذا التطور في أن تعدد الروابط الدفاعية بين دول محيطة بها قد يجعل أي أزمة مستقبلية أكثر تعقيداً. فالمواجهة التي كانت تُحسب في السابق ضمن إطار ثنائي يمكن أن تتحول، في ظروف معينة، إلى أزمة متعددة الأطراف، الأمر الذي يرفع كلفة المخاطرة بالنسبة لجميع الأطراف. ولا يعني ذلك أن الدول الثلاث أصبحت، بمجرد توقيع الاتفاقية، تحالفاً معادياً لإيران؛ فلكل منها حساباتها الخاصة تجاه طهران، كما أن المصالح الإيرانية مع تركيا وباكستان تختلف في طبيعتها عن علاقاتها مع السعودية. لكن وجود إطار دفاعي مشترك يظل عاملاً جديداً ينبغي أن يدخل في الحسابات الإيرانية.

▪️ سؤال مقلق : ماذا تعني الاتفاقية لمعادلة الردع الإيرانية؟ 

تستند الاستراتيجية الإيرانية في مواجهة التفوق العسكري التقليدي لخصومها إلى مجموعة من الأدوات، من بينها القدرات الصاروخية والمسيّرات، والعمق الجغرافي، وشبكة العلاقات الإقليمية، فضلاً عن قدرتها على توظيف نقاط الضعف والانقسامات داخل البيئة الإقليمية. وقد سمح هذا النموذج لإيران ببناء ردع غير متناظر لا يقوم على امتلاك تفوق تقليدي كامل، وإنما على جعل تكلفة أي مواجهة معها مرتفعة بما يكفي لردع الخصم عن خوضها.

لكن اتساع شبكة التعاون الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان يمكن، إذا تطور إلى تعاون عملي في مجالات مثل تبادل المعلومات، والتدريب، والدفاع الجوي والصاروخي، أن يغير بعض حسابات الردع.

فالمسألة لا تتعلق فقط بحجم القوات أو عدد الأسلحة، وإنما بمدى قدرة الأطراف على تبادل المعلومات وتنسيق الاستجابة للأزمات. ومع ذلك، ينبغي عدم المبالغة في النتائج. فالانتقال من اتفاق سياسي إلى منظومة دفاعية متكاملة يحتاج إلى مؤسسات وآليات قيادة وتنسيق وتدريب وتبادل معلومات، وهي أمور لا تنتج تلقائياً عن توقيع اتفاقية دفاعية. لذلك فإن التأثير الحالي للاتفاقية ينبغي أن يُفهم، قبل كل شيء، باعتباره تحولاً في حسابات المخاطر والتوقعات الاستراتيجية، وليس انقلاباً فورياً في ميزان القوى.

 

▪️ البُعد الباكستاني وحساسية الردع النووي

يظل حضور باكستان في الاتفاقية أحد أكثر عناصرها حساسية بالنسبة إلى إيران. فباكستان دولة نووية، ووجودها في ترتيب دفاعي مع السعودية يضيف إلى المعادلة الإقليمية بعداً مختلفاً عن التعاون العسكري التقليدي. ولا يعني ذلك أن الاتفاقية تمنح السعودية تلقائياً مظلة نووية باكستانية، أو أن إسلام آباد ستستخدم قدراتها النووية دفاعاً عن الرياض.

مثل هذا الاستنتاج يتجاوز ما يمكن إثباته من مجرد وجود اتفاق دفاعي. لكن أهمية العامل النووي تكمن في القيمة السياسية والاستراتيجية للقدرة النووية وتأثيرها في حسابات الخصوم، خصوصاً في أوقات الأزمات.

ومن منظور طهران، فإن وجود شبكة دفاعية تضم دولة نووية إلى جانب دولتين تتمتعان بقدرات عسكرية واقتصادية مهمة يجعل البيئة المحيطة بها أكثر تعقيداً. وهذه النقطة قد تدفع صانع القرار الإيراني إلى إعادة تقييم بعض افتراضاته المتعلقة بالردع وبطبيعة التهديدات المحتملة على حدود إيران ومحيطها الإقليمي.

▪️ هل تمثل اتفاقية مكة حصاراً استراتيجياً لإيران؟ 

أرى وصف الاتفاقية بأنها «حصار استراتيجي لإيران» سيكون، في تقديري، مبالغة إذا أُخذ المصطلح بمعناه الكامل. فتركيا وباكستان لا تنطلقان من رؤية واحدة تجاه إيران، ولكل منهما مصالح اقتصادية وأمنية وجيوسياسية تدفعها إلى إبقاء قنوات مختلفة مع طهران. كما أن السعودية نفسها لا تبدو معنية بتحويل الاتفاق إلى مقدمة لحرب مفتوحة مع إيران.

لكن رفض وصف الاتفاقية بالحصار لا يعني التعامل معها بوصفها تطوراً محايداً بالنسبة إلى الأمن الإيراني. لا ينبغي النظر إلى اتفاقية مكة بنظرة مثالية، أو التعامل معها وكأن تداعياتها لا تمسّ الأمن القومي الإيراني وسياسة طهران الدفاعية في المنطقة، ولا سيما في البيئات الجيوسياسية التي تنطلق منها أو عبرها مصادر التهديد الأمريكي لإيران.

ومن ثم، فإن الاطمئنان إلى التصريحات التي أدلى بها وزيرا الخارجية التركي والسعودي، والتي أكدا فيها أن الاتفاقية تهدف إلى دعم بيئة إقليمية أكثر أمناً واستقراراً، وأنها لا تستهدف إيران أو تشكل تهديداً لها، لا يكفي وحده للحكم على آثارها الاستراتيجية؛ فالنوايا المعلنة للدول لا تتطابق بالضرورة مع النتائج التي قد تترتب على تحركاتها داخل بيئة أمنية تنافسية.

وفي هذا السياق، يكتسب مفهوم التحوّط الاستراتيجي أهمية أكبر؛ إذ إن التحوّط، في جوهره، محاولة لتقليل المخاطر من خلال توسيع الخيارات، لكنه قد ينتج في المقابل مخاطر جديدة عندما تفسر الأطراف الأخرى هذا السلوك باعتباره تهديداً لأمنها.

وكما يلفت الباحثان “علا رفيق منصور” و “أيمن إبراهيم الدسوقي” في كتابهما «التحوّط الاستراتيجي في السياسة الإيرانية»: «يجب التذكير بأن استراتيجية التحوط محفوفة بالمضاعفات والمخاطر التي يمكن أن تعجّل في تحولها نحو التنافس المفتوح والمواجهة المباشرة، ومن ثم تؤدي إلى عدم الاستقرار الإقليمي».

ومن هذه الزاوية يمكن فهم بعض ردود الفعل الإيرانية على الاتفاقية. فقد دفعت التطورات المرتبطة بها لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإيراني إلى التشكيك في قدرة الاتفاق على توفير الأمن للسعودية، معتبرة أن اتفاقاً ورقياً مع تركيا وباكستان لن يكون كافياً لتحقيق أمن المملكة. وبغض النظر عن القيمة السياسية لهذا التصريح، فإنه يكشف عن الطريقة التي يمكن أن تُقرأ بها الاتفاقية في طهران: ليس بوصفها مجرد ترتيب دفاعي محدود، وإنما باعتبارها خطوة يمكن أن تؤثر في البيئة الأمنية المحيطة بإيران.

وهنا تظهر الفجوة بين النوايا المعلنة والآثار الاستراتيجية. فقد تكون دوافع السعودية مرتبطة بتنويع خياراتها الدفاعية، وقد ترى تركيا وباكستان في الاتفاق فرصة لتعزيز حضورهما الإقليمي، وقد تؤكد الأطراف الثلاثة أن الاتفاق لا يستهدف إيران.

لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن طهران ستأخذ في حساباتها طبيعة القدرات التي يمكن أن تنتج عن هذا التعاون، وموقع الدول الثلاث في الجغرافيا الإقليمية، وإمكان تطور التعاون الدفاعي بينها في المستقبل.

التحوّط المتبادل والمعضلة الأمنية هنا تحديداً يصبح مفهوم المعضلة الأمنية أكثر ملاءمة لفهم النتائج المحتملة للاتفاقية. فالدولة قد تتخذ إجراءات دفاعية بهدف زيادة أمنها، لكن هذه الإجراءات قد تُفسر من جانب خصمها باعتبارها استعداداً لمواجهته، فيدفعه ذلك إلى اتخاذ إجراءات مضادة.

وبذلك تتحول إجراءات تعزيز الأمن لدى طرف إلى مصدر شعور بعدم الأمان لدى الطرف الآخر. يمكن تصور هذا المسار في الحالة الراهنة على النحو الآتي: تنويع سعودي للشراكات الأمنية، يثير مخاوف إيرانية، يدفع طهران إلى تعزيز تحوّطها الأمني، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى مزيد من التحوّط لدى خصومها. وإذا استمر هذا التفاعل من دون قنوات سياسية قادرة على ضبطه، فإن ما بدأ بوصفه سياسة احترازية قد يتحول إلى تنافس أمني أكثر انفتاحاً. وهذا تحديداً ما يجعل اتفاقية مكة مهمة في دراسة الأمن القومي الإيراني.

فالمسألة ليست في إثبات أن الاتفاقية صُممت لاستهداف إيران، وإنما في فهم كيف يمكن لترتيب أمني جديد أن يغير حسابات إيران حتى لو لم يكن موجهاً إليها بصورة مباشرة.

وعليه، فإن التأثير المحتمل للاتفاقية على الأمن الإيراني لا ينبغي قياسه فقط بعدد القوات أو حجم الأسلحة التي تمتلكها الدول الموقعة، بل بمدى تحول الاتفاق إلى شبكة أمنية مؤسسية قادرة على إنتاج تنسيق استخباري وعسكري مستدام. فإذا بقيت الاتفاقية في حدود التعاون السياسي والدفاعي العام، فإن تأثيرها سيظل محدوداً نسبياً.

أما إذا تطورت إلى آليات عملية للتنسيق العسكري والدفاع الجوي وتبادل المعلومات، فإنها قد تصبح أحد العوامل المؤثرة في إعادة صياغة البيئة الأمنية المحيطة بإيران.

ومن هذه الناحية، فإن اتفاقية مكة لا تبدو مجرد اتفاق دفاعي بين ثلاث دول، بل مؤشراً على تحول أوسع في طريقة إدارة دول المنطقة لمخاطرها الأمنية؛ تحول ينتقل فيه الأمن من الاعتماد على تحالف واحد إلى بناء شبكات متعددة من الشراكات.

ومثل هذا التحول قد يمنح الدول الموقعة خيارات أوسع، لكنه في الوقت نفسه يفرض على إيران إعادة النظر في كيفية إدارة محيطها الأمني، وفي طبيعة التوازن بين الردع العسكري والانخراط الدبلوماسي مع دول الجوار.

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.