العراقيون من أصول فارسية : ازدواجية المعايير وصمت النخب
كتبه : محمد الأمين _ شاعر وكاتب عراقي
في المشهد الثقافي والسياسي العراقي، تبرز مراراً وتكراراً ظاهرة تلفت الانتباه وتستوجب التوقف عندها بموضوعية نقدية؛ إذ يثير التعاطي مع قضية “العراقيين من أصول فارسية” حائلاً من التناقض لدى بعض النخب والباحثين، الغالبية الساحقة منهم ممن يُحسبون على التيارات اليسارية والتقدمية.
فعندما يُطرح ملف هذا المكون الأصيل من نسيج المجتمع العراقي — ممن يكتفون بالهوية الوطنية العراقية الخالصة دون إضافات — ترتفع أصوات هؤلاء الباحثين بالرفض والاعتراض، محاولين إثارة الرأي العام بلا مبرر موضوعي. واللافت للانتباه هو ازدواجية المعايير الصارخة في هذا الخطاب؛ فهؤلاء الأفراد أنفسهم هم الأكثر حماسة والأشد دفاعاً عن حقوق وحريات القوميات والمكونات الأخرى في البلاد، كالتركمان، والكرد، والكرد الفيليين، بل ولا توفر جهودهم في سبيل انتزاع أبسط المكاسب أو الامتيازات لتلك المكونات، سواء تمثلت في حقائب وزارية، أو مناصب إدارية، أو مقاعد نيابية في البرلمان.
▪️ مفارقة المواقف وازدواجية الخطاب
لكن، ما إن يُطرح اسم “العراقيين من أصول فارسية” على طاولة النقاش الحقوقي أو التاريخي، حتى تنتاب تلك الدوائر حالة غريبة تشبه الهستيريا السياسية. ولعل تجاهل هذه الأصوات المأزومة هو الرد الأنسب عليها، غير أن توضيح هذه الحقائق يهدف أساساً إلى قطع الطريق أمام المتاثرين بهذا الخطاب المزدوج، لكي يوفروا على أنفسهم جهد ادعاء الوطنية الزائفة والانتقائية، حين يتغاضون عن حقوق مكون أصيل وينتصرون لغيره بمعايير متذبذبة.
إن الموقف المبدئي ينطلق من الإيمان المطلق بحقوق **كافة** مكونات المجتمع العراقي بلا استثناء. وما الكتابة عن العراقيين من أصول فارسية إلا استجابةً لنداء العدالة التاريخية، لكونهم ضحايا لجريمتين جسيمتين وثقتهما الذاكرة الوطنية:
1. جريمة التهجير القسري التي ارتكبها النظام المخلوع إبان حقبة صدام حسين.
2. جريمة التغيب القسري وطمس الهوية الممتدة في ظل الحكومات العراقية المتعاقبة التي أعقبت سقوط النظام عام 2003.

▪️ دور المؤسسات القضائية في طمس الهوية
ولا يقتصر الأمر على التهميش السياسي، بل تُظهر قراءة المشهد أن أبرز المؤسسات التي تورطت في هذا النهج هي المحكمة الجنائية العراقية العليا، والتي لعبت الدور الأكبر عبر سياساتها وقراراتها في تغيب هذا المكون ومحاولة محو ملامح هويته التاريخية داخل خريطة المجتمع العراقي.
إن ادعاء الوطنية لا يمكن أن يتحزّب أو يتجزأ؛ فالوطنية الحقيقية تُقاس بمقدار الإنصاف للجميع على حد سواء، دون انتقائية سياسية أو حسابات أيديولوجية ضيقة.

https://addlinks.pro/UnrTl