▪️ ما الذي يجعلك تكتب؛ هل هو اضطراب العالم أم سكون الذاكرة؟
ـ أعتقد أنني أكتب بسبب الاثنين معاً. اضطراب العالم يدفعني إلى طرح الأسئلة، بينما الذاكرة تمنحني المادة التي أشتغل عليها. أحياناً تكون الكتابة محاولة لفهم ما يحدث حولنا، وأحياناً تكون عودة إلى أشياء ظننا أننا تجاوزناها، لكنها بقيت في مكان ما داخلنا. الكتابة بالنسبة لي ليست هروباً من الواقع، بل طريقة أخرى للتبصر به وتأمله، ولمَ لا: مجابهته!
▪️ الكتاب الذي تمنيت لو كنت مؤلفه، ولماذا يمسُّ جوهر روحك؟
ـ هناك كتب كثيرة أتمنى لو كتبتها مثل كل أعمال دستويفسكي أو رواية “بطل من زماننا” لـ ليرمانتوف أو ثلاثية نيويورك لـ بول آوستر، لكن “الدون كيشوت” لـ ثربانتس يظل من أكثر الأعمال التي أشعر بالقرب منها. ما يدهشني فيه هو قدرته على تحويل التفاصيل الصغيرة والذكريات العابرة إلى أسئلة كبيرة عن الزمن والإنسان والذاكرة. أشعر أن الكتابة الحقيقية هي التي تجعلنا نكتشف أنفسنا من خلال شيء نظنه في البداية بعيداً عنا.
▪️ أين تجد ملاذك حين تعجز الكلمات؟
ـ حين تعجز الكلمات، ألجأ إلى الصمت. أحياناً يكون الصمت أكثر بلاغة من الكلام، وفيه تتضح الأشياء التي كنا نحاول التعبير عنها دون جدوى. أيضاً إلى القراءة والعزلة، وإلى مراقبة التفاصيل اليومية البسيطة. كثيراً ما تأتي الجملة التي أبحث عنها عندما أتوقف عن البحث عنها.
▪️ شخصية أدبية كنت تودُّ تناول القهوة معها، وماذا ستسألها؟
ـ سأختار ميغيل دي ثربانتس دون شك. أشعر أن الجلوس معه سيكون أشبه بالدخول إلى أعماق النفس البشرية نفسها. سأترك الحديث يأخذ مجراه، ثم أسأله: كيف استطعت أن ترى كل هذا الظلام والتناقض والضعف في الإنسان، ومع ذلك بقي لديك هذا الإيمان بقدرته على التغيير والخلاص؟ أظن أن هذا السؤال وحده يمكن أن يفتح حواراً لا ينتهي.
▪️ لو كان للثقافة صوت، كيف تصف نبرته في واقعنا اليوم؟
ـ أتصور أن صوت الثقافة اليوم خافت، لكنه ليس ضعيفاً. إنه صوت يحاول أن يحافظ على حضوره وسط ضجيج سريع ومتواصل، حيث أصبحت الصورة والخبر العابر ينافسان الكتاب والفكرة. ومع ذلك، الثقافة الحقيقية لا تحتاج دائماً إلى صوت مرتفع؛ يكفي أن تترك أثراً عميقاً في الإنسان، وأن تجعله يعيد النظر في الأشياء التي اعتاد عليها.
▪️ ما الذي ينقص المشهد الثقافي في بلدك ليكون أكثر تأثيراً وحيوية؟
ـ أعتقد أننا بحاجة إلى مساحة أكبر من الحرية، وإلى دعم حقيقي ومستمر للمثقفين والكتّاب، وإلى مؤسسات ثقافية تؤمن بالمشروع لا بالمناسبة فقط. نحتاج أيضاً إلى خلق علاقة أكثر حيوية بين الكاتب والقارئ، وبين الثقافة والمجتمع. المشهد الثقافي يصبح أكثر تأثيراً عندما يشعر الإنسان أن الثقافة ليست ترفاً، بل جزء من حياته وأسئلته اليومية.
▪️ هل الكتابة وسيلة للنجاة أم مجرد توثيق للغرق؟
ـ ربما هي الاثنان في الوقت نفسه. نكتب لأننا نغرق، لكننا نحاول من خلال الكتابة أن نصنع لأنفسنا مساحة للتنفس. الكتابة لا تنقذنا دائماً، لكنها تمنحنا القدرة على فهم ما يحدث لنا، وربما تحويل الألم والتجربة إلى معنى. وفي هذا المعنى تصبح الكتابة نوعاً من النجاة، حتى لو كانت تكتب من داخل الغرق نفسه.
▪️ ما هو الأثر الذي ترغب أن يتركه نصك الأخير في قارئٍ مجهول؟
ـ لا أبحث عن أثر محدد بقدر ما أتمنى أن يترك النص شيئاً في داخله. ربما سؤالاً، أو ذكرى، أو إحساساً لم يستطع التعبير عنه من قبل. أجمل ما يمكن أن يحدث للكاتب أن يجد قارئاً مجهولاً يقول بعد القراءة: هذا النص يشبهني، أو يمثلني. إذا استطاع نصي أن يرافق شخصاً للحظات، أو يجعله يرى نفسه أو العالم بطريقة مختلفة قليلاً، فسأعتبر أنه حقق غايته بشكل أو بآخر
_____________________________________________
| عبد الهادي سعدون : كاتب، شاعر، باحث، ومترجم عراقي، وُلد في بغداد عام 1968م، غادر العراق في عام 1993م واستقر في إسبانيا، حيث أكمل دراساته العليا، وحصل على الدكتوراه وأصبح أكاديمياً، وهو يعمل أستاذاً لمادة اللغة والأدب العربي في جامعة مدريد كومبلوتنسي (UCM). عمل مستشاراً أدبياً لعدد من دور النشر الإسبانية للإسهام في نقل وجسر الهوة بين الثقافتين العربية والإسبانية. من بين أبرز مؤلفاته الروائية والشعرية : مذكرات كلب عراقي (رواية)، العودة إلى الأرض (رواية)، تقرير عن السرقة (رواية)، متنزه الحريم (رواية)، ديوان شعري بعنوان “دائماً”. |
