حذاء فيلليني : الجسد المُعذَّب وسردية الانكسار العربي

مقال : تاميران محمود _ كاتبة مصرية مقيمة في أمريكا

الكتابة عند وحيد الطويلة تجربة تختلف عن غيره من الكتاب، بل أن أسبابه الشخصية للكتابة لا تشابه غيره فهو كاتب مصري ينتمي إلى جيل يمثل موجتين أدبيتين: موجة الواقعية الاجتماعية التي أرست دعائمها الرواية العربية الكلاسيكية، وموجة ما بعد الحداثة التي تتفكك فيها الحدود بين الأجناس وتتشظى الهويات السردية. يُشكّل الطويلة في أعماله مختبراً روائياً خاصاً تتقاطع فيه السياسة بالجسد، والتاريخ الجمعي بالسيرة الشخصية، والسرد الاعترافي بالفضح الاجتماعي والسياسي.مذوبا للفروث بين الشأن العام والخاص دافعا القاريء إلى التفكير العميق والألم والثقل النفسي لما يعايشه من ظروف متناقضة لا فكاك منها يلطمه بقسوة ويراضيه بلغة ناعمة وسلسة محتفيا بما يعرفه الإنسان من لذة الحياة القاسية.

ومن أبرز ملامح كتابته هو الميل العميق للسرد على لسان راوٍ من الداخل، مشبع بالتناقض، لا يخفي هشاشته ولا يؤمّن على مواقفه، وهو راوٍ في الغالب ذكوري يرصد نفسه بعين ناقدة تبلغ حدّ الإدانة الذاتية. إلى جانب ذلك، يحتفي الطويلة باليومي والهامشي ويرفعهما إلى مصاف الرمز الوجودي، كما يتعمّد كسر خطية الزمن السردي لإيجاد فضاء متداخل تتكسّر فيه الذاكرة على الحاضر.

“حذاء فيلليني” رواية صدرت عن دار المتوسط، تكمل تجربة المشروع الأدبي للكاتب وتجسّد ملامحها في بنية روائية جريئة ومختلفة حيث اعتمد الكاتب في البنية السردية للرواية على التركيب المعماري في الشكل وكسر التوقعات في كل سطر لا تسير الرواية وفق بنية درامية تقليدية تقوم على عقدة ثم ذروة ثم حلّ. إنها أقرب إلى مجموعة مشاهد يجمعها خيطٌ متوتر لا يكاد يتماسك، وكأن الطويلة يتعمّد إبقاءنا في حالة من القلق البنيوي. الفصول قصيرة، مبتورة أحياناً، تشبه إيقاع الأنفاس المتقطعة لإنسان في حالة ضغط نفسي حادّ. ولعل أبرز ما يميّز البنية أنها تتحرك في مستويين: مستوى المشهد الطاغي الحاضر (جلسة التعذيب والاعتقال) والتي نجح الكاتب فيها الى درجة كبيرة في أن ينقل القارئ إلى الجلسة بكل تفاصيلها الحسية والشعورية ومستوى الارتداد المتواصل إلى الماضي الشخصي للراوي وذكرياته. هذا التوازي لا يُضعف الحدة الدرامية، بل يجعل منها متعددة الأصوات.

وقد اختار الطويلة أن يُقسّم نصّه في الشريط الأخير إلى مشاهد مرقّمة (المشهد الأول، الثاني، الثالث)، وهو اختيار يحمل أثراً سينمائياً واضحاً يحيل إلى فيلليني نفسه، المخرج الإيطالي الذي تقوم سينماه على تجاور المشاهد الكرنفالية والمؤلمة في وقت واحد.

ذكر الطويلة في خاتمة النص أنه كتب الرواية في مقاهٍ عدة بأسماء مختلفة: “مقهى أرجيلة”، “مقهى أربيسلا”، “مقهى أندلسية”. هذا الكشف لا يبدو تحصيل حاصل، بل يُرسّخ بُعداً تفكيكياً: النص ليس نتاج مكان واحد ولا مزاج واحد،ولا جماعة معرفية واحدة، بل هو مركّب من أماكن ولحظات وزوايا رؤية متعددة تُجمّعها إرادة الكتابة. وربما في ذلك إشارة إلى تشظي الهوية الروائية نفسها.

الرواية تقوم على راوٍ من الدرجة الأولى: “أنا” شخصية تسرد من مكان وجودي بالغ الخصوصية؛ إنه رجل يقبع في مكان شبيه بغرفة احتجاز أو تعذيب، وفي أثناء ذلك يسرد ذكرياته وتأملاته. هذا الراوي ليس موثوقاً به توثيقاً مطلقاً؛ فهو من جهة يعترف بضعفه وتناقضاته ومن جهة أخرى يحكم على الآخرين بقسوة. الطويلة لا يُقدّمه بطلاً ولا ضحية نقيّة، بل كائناً هشاً تكسّرت فيه أشياء كثيرة قبل أن يصل إلى هذه اللحظة.

كذلك يتبنى الراوي موقفاً فلسفياً من الحياة يقوم على إدراك أن الكذب صار لغةً مشتركة: “نحن نحكي كل شيء، مفردة الكذب تم شطبها من اللغة، المصارحة والمكاشفة وسيلتنا ونتأكد من ذلك كل يوم”. هذا الاعتراف يُحرّر النص من أن يكون إدانةً لطرف دون آخر.

اللغة في “حذاء فيلليني” نثرٌ ذو بُعدين: شعري وتقريري في آنٍ واحد. الطويلة يرفض العبارة المنمّقة التي تُخفي وراءها التجربة، ويؤثر الجملة الخادشة، التي تشبه صرخة مكتومة. ومع ذلك يملك مقدرة على رسم الصور الكثيفة بأقل الكلمات:

“صمتٌ شديد إلا من نغم متقطع، رتيب لكنه ظافر كأنه كسب معركة”

“النساء هنّ من سيسمعنني ولو بأفئدة مكسورة، أما الرجال فقلوبهم مهشّمة وما تبقى منها تحوّل إلى حجر”

الكعوب العالية الرمادية: “اللون الرمادي، أسوأ الألوان، ملازم لأصحاب الغموض والسلطة”

هذا الاستخدام للتفصيل الحسّي الصغير (الحذاء، الكعب، اللون، الصوت) ليكشف عن بنية سلطوية أعمق، هو أحد أعمق أساليب الطويلة. اللغة لا تقول الأشياء مباشرة بل توصلها عبر الجزئي والمادي.

ويظهر كذلك ميلٌ للجملة القصيرة المستقلة التي تُحمَّل بوزن شعري:

“عشتُ مع واحد لم أعرفه.” جملة واحدة، غير موصولة بما قبلها وما بعدها، تقف وحدها كمسلّة. هذا الاقتصاد اللغوي هو أداة الطويلة لإظهار مدى تشظي وحيرة وخوف أبطاله.

الشخصيات في الرواية تُصنَّف وفق محورين لا وفق ثنائية خير/شر البسيطة او مفاهيم العدالة والظلم فهو يقدم شخصياته بشكل منفصل تماما ولكنه يربطهما برباط وثيق يراه القارئ ويتعايش محنتهم.

الراوي: ذاتٌ مركّبة تقوم على جدل الضعف والوعي. هو رجل يعرف نفسه جيداً ولذلك لا يستطيع الكذب على نفسه تماماً. عاش علاقات متعددة لكنه ظل في كل علاقة “غريباً” بمعنى ما. أحبّ لكنه لم يُتقن الحبّ. كان شاهداً على الانهيار الجمعي ولم يسلم من التواطؤ معه.

الجلاد/المحقق: لا يُقدَّم وحشاً أجوف، بل إنساناً نظامياً مُتّسقاً مع منظومة. وهذا أشدّ إرعاباً من وحشية عمياء؛ فالشر الممنهج أكثر استدامةً وأكثر عدوى. الطويلة لا يُدين الجلاد كفرد بل كنتاج لبيئة تُعيد إنتاج نفسها.

النساء: يشغلن حضوراً طاغياً في الذاكرة، لكنهن في الحاضر السردي غائبات. هذا الغياب الحاضر هو أحد التوترات البنيوية في النص. الأنثى هي الملجأ الذي لا يُكتمل، والوطن الذي يظل بعيداً.

فيلليني: ليس شخصية بالمعنى الحرفي، بل أيقونة فكرية مُستدعاة. يظهر كصوت حكمة يُوزّع نصائح عبثية وجوهرية في آنٍ: “تذكر ما قاله فيلليني: إن القتل واحد لكن يجب عليك ألا تتحول إلى خروف مفروم أو فروة ساخنة تحت الأحذية.” هذا التداخل بين المخرج الإيطالي والراوي المصري إشارة إلى عالمية الألم وعالمية فن مواجهته.

تحمل الرواية عددا من الرموز والإسقاطات فالرمز المحوري كما في العنوان هو الحذاء.

والحذاء في النص ليس مجرد قطعة ملبس. إنه تكثيفٌ رمزي متعدد الطبقات. على المستوى الأول، الحذاء هو أداة التعذيب أو التهديد به. على المستوى الثاني، هو رمز السلطة والتسلط؛ فمن يملك الأحذية العالية يملك الوصول إلى القاعات المحرّمة. وعلى مستوى ثالث، الحذاء هو ما يقيس المسافة بين الإنسان والأرض؛ وهو ما يكشف عن علاقة المرء بواقعه: هل يمشي متجذراً أم طائراً أم منفصلاً؟

كعوب الأحذية الرمادية العالية التي يصفها الراوي عند صاحبات السلطة (“اللون الرمادي أسوأ الألوان، ملازم لأصحاب الغموض والسلطة”) تُحيل إلى سلطة البيروقراطية، العاجزة عن الحيوية الحقيقية، المختبئة في ألوان يصعب تحديدها.

وفي نسبه الحذاء إلى فيلليني تحديداً تكمن الدلالة الأعمق: المخرج الفنان صاحب الرؤية يُقابَل بآلة القمع. الحذاء يصبح سؤالاً: هل يستطيع الفن أن ينتصر على العنف؟

والرمز الآخر هو فيلليني نفسه المخرج الإيطالي الذي يمثل أيقونة الخلاص عبر الجمال

اختيار فيلليني بالتحديد ليس عشوائياً. فيلليني هو المخرج الذي حوّل الألم إلى كرنفال، والهشاشة إلى فن، وعالم الأحلام إلى واقع مرئي. استدعاؤه في سياق أدبي تحت التعذيب هو قول ضمني: الفن هو الملاذ الوحيد الذي لا يُصادَر. الجلاد يستطيع أن يكسر الجسد لكن لا يستطيع أن يصادر اللحظة التي يُصنع فيها الجمال.

كذلك فيلليني بسيرته الذاتية كان مهووساً بالمرأة والأحلام والطفولة والتذكر، وهي نفسها العناصر الفنية والشخصيات التي تهيمن على الرواية.

قدمت الرواية الاسقاط السياسي بشكل واعي وجريء فنجد مشهد المؤتمر القومي “لشحذ الوعي بين الأمم” يمثّل أحد أكثر المقاطع إسقاطاً وجرأة في النص. هو رثاءٌ ساخر لخطاب القومية العربية الذي استنفد طاقته وصار وعاءً فارغاً تُسكب فيه الشعارات دون مضمون. “كنا في نهاية مؤتمر لشحذ الوعي القومي بين الأمم… فنحن أمة سامية ذات حضارة خالدة، وعلى الجميع في نهاية مؤتمرات الشحذ أن يحتفل بما أنجزناه وبما حطمناه.”

هذا التناقض الصريح بين “أنجزناه” و”حطمناه” هو قلب الإسقاط: الإنجاز القومي الحقيقي الوحيد هو الهدم الذاتي.

ومن أعمق الإسقاطات كذلك في الرواية أن الحدود بين الجلاد والضحية تتآكل تدريجياً. الراوي يعترف بأنه كان في مواضع تواطأ مع منظومة القمع أو صمت عليها. وحين يقول الضابط للراوي: “أنت كنت تخرب الوطن وأنا كنت أحمي الوطن وصرنا في خندق واحد”، فهذا تكثيف مأساوي للغة السلطة التي تحتوي كل شيء في إطارها.

▪️ التفكيك وبُعده الفلسفي

يُمكن قراءة “حذاء فيلليني” كنص تفكيكي بالمعنى الدريدي: فهي تفكّك ثنائيات كبرى تأسّس عليها الخطاب العربي الحديث. ثنائية الوطن/الخيانة تتفكك حين يتبيّن أن ما يُسمّى “خيانة” هو أحياناً نزاهة، وما يُسمّى “وطنية” هو تواطؤ. ثنائية الرجل/المرأة تتفكك في علاقات الراوي الذي يعترف بعجزه عن الفهم الحقيقي. وثنائية الجلاد/الضحية تتآكل في اعترافات الراوي بمشاركته في ما آذاه.

ولا تقدّم الرواية حلاً لهذا التفكيك، وهذا هو أميزها: إنها تُقلق ولا تُريح. الخاتمة لا تنتهي بانتصار ولا بمصالحة، بل بخطاب الراوي لـ”مطيع” (الشخصية التي ربما تمثّل الضمير المهادن وانكسار الأحلام الخوف من السلطة ومقاومتها الباردة) قائلاً: “يجب أن تشفى يا مطيع، أنت أمام وجعك، وعليك أن تخفيه لتتفرغ لأوجاع الناس، هذا هو الوجع الحقيقي.” هذا ليس حلاً؛ إنه نداء نحو مسؤولية لا تنتهي.

يمكن قراءة رواية ” حذاء فيلليني” كرواية تنتمي إلى أدب الشهادة وأدب المقاومة الداخلية في آنٍ واحد. شهادة على ما يُفعل بالإنسان حين تتحوّل الدولة إلى آلة للإخضاع، ومقاومة من الداخل عبر السرد الاعترافي الذي يرفض التبسيط ويُصرّ على التعقيد.

فالكاتب في هذا العمل، يتقن صياغة نص مراوغ، يحمل بداخله العديد من الأسرار والتأويلات. فهو يبدو في ظاهره سيرة ذاتية وهو في باطنه تأمّل جمعي، يبدو شخصياً وهو في الحقيقة سياسي، يبدو محلياً وهو يتكلم بلغة إنسانية عامة. والحذاء، ذلك الموضوع الصغير على أقدامنا في كل يوم، يتحوّل في يده إلى تمثيل كامل للسلطة، والقمع والفن والخلاص.

هذه الرواية ليست نصاً سهلاً. إنها تُعيد صياغة السؤال الجوهري للكتابة الروائية كيف يكتب المرء الألم دون أن يُحوّله إلى عرضٍ، وكيف يُقاوم دون أن يتحوّل إلى خطيب؟ هل تكتب الرواية لمجرد شغف الكاتب أم أن للكاتب رسالة يدفنها بين سطور هذا الفن لتكون شهادة على هذا الزمن.

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.