بغداد 2026 : حين تحاول العاصمة استعادة صورتها كمدينة للعلم والفن والثقافة

أعداد : مصطفى شاكر _ العراق

في عام 2026، لا تستقبل بغداد عاماً ثقافياً عادياً، بل تدخل تجربة تمتد لأكثر من عام تحت عنوان «بغداد عاصمة الثقافة في دول العالم الإسلامي»، في محاولة لإعادة تقديم العاصمة العراقية بوصفها مدينة ارتبط اسمها، عبر قرون طويلة، بالعلم والأدب والفن والفكر.

 

وقد أُعد برنامج ثقافي يمتد من حزيران 2026 إلى حزيران 2027، بمشاركة مؤسسات وزارة الثقافة والنقابات والاتحادات والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني، مع إقامة الفعاليات في مواقع متعددة من بغداد.

 

▪️ بغداد ذاكرة ثقافية عمرها قرون

لم تأتِ تسمية بغداد عاصمة للثقافة الإسلامية من فراغ؛ فالمدينة ارتبطت منذ العصر العباسي بحركة علمية وفكرية واسعة، وأصبحت مركزاً للترجمة والتأليف والعلوم والفلسفة والأدب.

 

وفي شوارعها وأسواقها ومدارسها القديمة تشكل جزء كبير من الذاكرة الثقافية للعراق. وما زالت بعض الأبنية والشواهد المعمارية تحمل آثار تلك المراحل، من المدارس التاريخية إلى المساجد والبيوت التراثية والأسواق القديمة.

 

ولهذا تحاول الفعاليات الحالية أن تجعل من التراث جزءاً من الحياة الثقافية المعاصرة، لا مجرد مبانٍ تاريخية تُزار من حين إلى آخر.

 

▪️ عام كامل من الفعاليات

بحسب وزارة الثقافة، لن تقتصر المناسبة على المؤتمرات والفعاليات ذات الطابع الديني، بل يتضمن البرنامج مساحة واسعة للفنون والثقافة بمختلف أشكالها.

 

وتشمل الفعاليات المسرح والموسيقى والفنون التشكيلية ومعارض الكتب والأمسيات والأنشطة الفكرية والأدبية، إضافة إلى زيارات للمساجد وفعاليات تقام في الفضاءات العامة، وعروض أزياء تستلهم الماضي والحاضر.

 

وتسعى الوزارة كذلك إلى إشراك مؤسسات المجتمع المدني والنقابات والاتحادات والجمعيات، حتى لا تبقى الفعاليات محصورة داخل المؤسسات الرسمية.

 

▪️ من التراث إلى المدينة

أحد أهم جوانب المشروع هو محاولة تحسين صورة بغداد الثقافية والعمرانية بالتزامن مع الفعاليات.

 

وتشير وزارة الثقافة إلى أن عدداً من المواقع الثقافية والتراثية شهد أعمال تأهيل، من بينها شارع المتنبي والمدينة القديمة والقصر العباسي، فيما تتواصل أعمال الصيانة في المدرسة المستنصرية، إلى جانب تطوير المتاحف.

 

وهذه المشاريع تمنح المناسبة بعداً مختلفاً؛ فالثقافة لا تعني الكتب والندوات وحدها، وإنما تشمل أيضاً المكان الذي تُصنع فيه الثقافة وتُحفظ فيه الذاكرة.

 

▪️ المخطوطات والخط والفن التشكيلي

ومن المحاور التي يجري التركيز عليها أيضاً التراث الثقافي الإسلامي العراقي، بما يشمل المخطوطات والوثائق والخط العربي والفنون التشكيلية.

 

وفي تموز 2026، بحثت وزارة الثقافة مع منظمة التعاون الإسلامي آليات التعاون في الترويج للتراث الثقافي الإسلامي العراقي، ودعم مجالات المخطوطات والوثائق والخط العربي والفنون التشكيلية، على أن تكون فعاليات بغداد عاصمة الثقافة إحدى باكورات هذا التعاون.

 

وهذا يفتح الباب أمام تقديم الثقافة العراقية من زاوية أوسع؛ فالعراق لا يمتلك الآثار فقط، وإنما يمتلك أيضاً إرثاً ضخماً من المخطوطات والكتب والفنون والزخارف والخطوط والعمارة.

 

▪️ الثقافة بوصفها صورة جديدة لبغداد

تأتي هذه المناسبة أيضاً في محاولة لتغيير الصورة التي ارتبطت بالعراق خلال العقود الماضية بسبب الحروب والأزمات.

 

وقد أوضحت وزارة الثقافة أن اختيار بغداد يهدف، من بين أمور أخرى، إلى إبراز الوجه الحضاري للعراق بوصفه بلداً للعلم والأدب، مع العمل على تحسين المشهد الحضري في عدد من الأماكن العامة ونشر المواد التعريفية بالحدث.

 

ومن هنا يمكن النظر إلى عام الثقافة باعتباره محاولة لإعادة بناء صورة بغداد من خلال الكتاب والفن والتراث والموسيقى والعمارة، وليس من خلال الخطاب السياسي وحده.

 

▪️ بغداد بين الماضي والمستقبل

ربما تكمن أهمية تجربة 2026 في السؤال الذي تطرحه أكثر من الفعاليات نفسها: هل تستطيع بغداد أن تجعل من تراثها جزءاً من حاضرها؟

 

فالمدينة التي احتضنت المدارس والمكتبات والأسواق العلمية في عصورها المختلفة، تستطيع اليوم أن تستعيد هذه الروح بطريقة معاصرة؛ عبر المتاحف والمعارض والمسرح والكتاب والفن التشكيلي والموسيقى.

 

وبهذا المعنى، لا ينبغي أن يكون لقب «عاصمة الثقافة في دول العالم الإسلامي» مجرد عنوان احتفالي ينتهي بانتهاء عامه، بل فرصة لتوثيق التراث، وتأهيل المواقع، وتشجيع الفنانين والكتاب، وإعادة الثقافة إلى الفضاء العام.

 

بغداد لا تحتاج إلى اختراع تاريخ ثقافي جديد تاريخها موجود في شوارعها ومبانيها ومكتباتها وآثارها، وما تحتاجه هو أن تمنح هذا التاريخ فرصة جديدة ليُرى ويُقرأ ويُسمع.

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.