▪️ ما الذي يجعلك تكتب؛ هل هو اضطراب العالم أم سكون الذاكرة؟
_ الكتابةُ ليست علاجاً، بل هي مَرَضٌ، أو، إذا شِئْتَ، لَوْعَةُ هِبَةٍ غامِضَة تُتَاحُ لنا، رُبَّما لنكون وُسطاء لهذه الهِبَة، في أن نقُول ونكتب ونُدْلِي بشهادتنا حول ما عليه الوُجود من اضطراب، أو من اختلال، وحتَّى بما فيه من جمال يُجَاوِر القُبْحَ والبشاعة، كما كان شارل بودلير أدْلَى بشهادته، شعريّاً، في عمله «أزهار الشَّر»، الذي حوكم على بعض نصوصه، التي رأى القاضي أنَّها مُخِلَّة بالحياء، بدل أن يُعاقِبَه على كَشْفِ البشاعة في الجمال، أو ما يكون بَشِعاً في الجمِيل، أو جميلاً في البشاعَةِ، وهذا أخطر ما في عمل بودلير هذا، وليس ما يخدش الحياء.
الكتابة عِبْءٌ، قَلَقٌ، توتُّر، وحالة صَمْتٍ مُرِيعٍ ما نَكُونُ فيه ونحن نُفَكِّر أو نَكْتُب، لا لنقُول الشَّيْءَ كما يراه الجميع، بل لننزل إلى طبقاته البعيدة، نُعرِّيها، نَكْشِفُ ما طُوِيَ في صَمْتِها من كلام ورُكُوزٍ وإشاراتٍ. هذا ما يفعله الأركيولوجيّ، وهو يسعى لمعرفة تاريخ حضارات كَتَمَت عظمتها في صمتها، وترَكَتْ لنا منه ما يمكن أن يكون مرآة لنا، فيه نرى من نكون. وما اعْتَبَرْتُه لَوْعَةً، هو هذا بالذَّات، هو أن يكون لنا تاريخٌ ووُجُود، حين نكشف عنهما فينا، نكتشف فيهما اضطرابنا، ووجعنا، وحنيننا إلى أسلافٍ ماضين، لا لنستعيدهُم أو نكون ظِلاًّ لهُم، بل لنتكلَّم معهُم، نُوشْوِش في آذانهم، نشي لهم بما بَقِيَ لنا منهم، وماذا سيبقى لمن هُم في طريقهم إلينا.
يمكن لأيٍّ كان أن يكتُب، لكن دون هذا الاضطراب، وهذه اللَّوْعَة الأبدِيّة، لا تكون الكتابة نداءَ الماضي للحاضر، ونداء الحاضر للمستقبل. ولن أخفيك أنَّنِي لا أعرف ما يجعلني أكتُب، سوى أن أكتُب، وكأنَّ يدِي مشدودة إلى الورق، تُمْلِي عليَّ آلامِي، وتتعقَّبُ صمتي وموتِي. موريس بلانشو، هكذا رأى الكتابة من خلال ملارميه، فالكتابة، هي نهاية المطاف موتٌ، أو ما يمكن أن يكون وُجوداً بالموت.
▪️ الكتاب الذي تمنيت لو كنت مؤلفه، ولماذا يمسُّ جوهر روحك؟
_ هو الكتاب الذي ما زِلْتُ لم أُنْهِهِ. فنحن، في حقيقة أمرنا، نكتب كتابا واحِداً في كُتُب، أو هكذا أرى ما أكتبه، كُلّ كتاب يصدر، هو فصل من هذا الكتاب الكبير، كتاب الكون كما تصوَّرَهُ بلزاك، وكان ما يرغبُ في كتابته، وكان قد كتبه دون أن ينتبه إليه، هو ورامبو في ما سمَّاه كتاب الزِّنْجِيّ، ومالارمية في حُلُمِه بكتاب الكَوْن، أو الكتاب الكبير. دائماً هُناك حُلُم ورغبة عند الكاتب أو الشَّاعر ليكتُب هذا الكِتاب، وهو بصدد كتابته، وعندما يرحل، نحن من نكتشف أنه كتبه في كُلّ ما تركه لنا. لذلك، لا أعتبر ما تُصْدِرُهُ «لابْلِيادْ» في فرنسا، أعمالاً كاملة للرَّاحلين، فيها كُلّ ما كتبوه، إنَّها هذا الكتاب بالذَّات. وإذن، فالكتاب، ما لم نتوقَّف عن الكتابة، يبقى يُلِحُّ علينا في إنهائه، لا بمعنى إغلاقه، بل تركه مفتوحاً، بِالإشَارَة إلى ذِرْوَتِه، فلا أحد من العُظماء اعتبر نفسَه هو من قال، أو كتب كُلَّ شيء، وإلَّا كانت ملحمة جلجامش هي الكتاب الذي علينا أن نكتفي بقراءته، قبل الأوديسا والإلياذة، وهُما سيكونان تابعين له، إمَّا بالمُحاكاة، في البناء الأسطورِيّ، أو في الإدلاء بشهادة الماضين لنا نحن، في زمننا هذا.
الكتاب هو آتٍ دائماً، في الطريق إلينا، لا تكتُبُه يدٌ واحِدَة، كثيرٌ من الأيادي تتعاقَبُ عليه، لِكُلّ يَدٍ أسلوبُها، بل فصيلة دمها الخاصّة بها. وهذا لا يَحْدُث إلَّا عندما يكون الكاتب أو الشَّاعر مُقِيماً في ذُهُوله بالعالَم والطبيعة والأشياء.
▪️ أين تجد ملاذك حين تعجز الكلمات؟
_ في الكلمات ذاتها، سواء في الكتابة أو في القراءة. طالما الكتابة مُتَعذِّرَةً، فالقراءة، ونحن نُزاوِلُها بَشَغَفٍ، نُعِيد كتابتها، وإلَّا لماذا نمسك بقلم الرَّصاص في يد، والكتاب في أخرى، أو ما سَمَّيْتُه بالقراءة بقلم الرَّصاص.
من يَدُهُ بَلِيلَة، الخُضْرَةُ فيها والنَّماء، لا يموتان، وهِيَ تُشْبِه المِياهَ الجَوْفِيَّةَ العميقةَ. وأنت تعرف، كما في العراق، النَّخْلَة، لا تنتظر الماء ولا المطر، فهي في الصحراء، تتعقَّبُ الماء، تبحَثُ بِجُذُورها المُتَرَحِّلَة في أعماق الأرض عن الماء، عن المياه الجوفية، تتغذَّى بها، وبها تُنْضِج ثمارَها. هكذا هي الكتابة، هي نَخْلَةُ عظيمة، لا تتوقَّف عن الحياة، وتنتظر، دائماً، من يعرف كيف يَهُزُّ جِذْعَها، كما في مُخاطبة الوحي لمريم، لِيَجْنِي ما فيها من رواء ونماء.
▪️ شخصية أدبية كنت تودُّ تناول القهوة معها، وماذا ستسألها؟
_ ذلك الكاتب أو الرَّاوِي المجهول، الذي قال كُلّ شيء وحذف اسمَه في ملحمة جلجامش، كُنْتُ سأُحَيِّيه على خيالِه العظيم، وعلى وعيه بالوُجُود الملحمي للوُجُود، ولاختياره الشِّعْر، ليقُول لنا ما قاله، لا غيره من أنواع التعبير الأخرى، كما كُنْتُ سأسأله هل كان يرى، أم كان أعمى، كما كُنْتُ سأخبره أنَّ الشِّعْرَ، لا يمكن أن يكون غِنائِيًّا صِرْفاً، بصوتٍ واحد هو كُلّ شيء فيه، كما في الشِّعْر العربيّ، قديمه وحديثه، بما في ذلك ما هو معاصر لنا، بل إنَّ الملحمة، هِي نحن في المُدُن، في تشعُّباتها، وفي متاهاتها، وفي الحضارات هذه التي لم نَعُد نعرف في أيِّ اتِّجاه تدور بها الأرض، والإنْسان من يكون في تَوَحُّشِه الذي أعْمَى فيه التَّأنُّسَ.
يكفي فنجان واحد من القهوة، لنقُول كُلّ شيء، لأنَّ هذا المُؤلِّف المُتَوَارِيَ، «هو من رأى كُلَّ شيء»، وقال أشياء كثيرةً، وكان جلجامش، عنده، عصاهُ التي بها هَشَّ على ما في الوُجود من عَدَمٍ، من خلال صديقه أنكيدو، الذي انْتَظَرَهُ دون جدوى أن يعود إلى الحياة، ليكتشف أنه ماتَ، وانْدَثَر.
▪️ لو كان للثقافة صوت، كيف تصف نبرته في واقعنا اليوم؟
_ صوتُ الثَّقافَة، ليس نَبْرَةً، هو نبرات، مثلما في موسيقى الكُونشِيرْتُو، وهي نبراتٌ تتداخَل مع النَّبْرَة الواحدة ، بالتَّبايُن الحَرَكِيّ والنَّغَمِيّ بين الآلة المنفردة والأوركسترا.
فالثقافة هي أصواتٌ، وإذا كانت صوتاً واحِداً، ستختنق، وتضج، وتموت، لأنَّها سنكون تكراراً، واستعادةً واجتراراً. جوهَرُها في تنوُّعِها واختلافها، وفي وُجُودِ أكثر من بَصْمَة فيها، لا تكون بالضرورة واحِدَة، هذا لا يمكن، إنَّها كُونْشِيرْتُو، حين نستمع إليه برهافة، نستطيع أن نُميِّز الآلات، وتوقيعات كُلّ آلة، أي التَّنوُّع في الوحدة، أو ما هو «شِدَّة ائْتِلاف في شِدَّة اخْتِلاف» كما قال الجرجاني، ما يكون بذاته في غيره، أو كما قال رامبو «أنا آخَرِي».
▪️ ما الذي ينقص المشهد الثقافي في بلدك ليكون أكثر تأثيراً وحيوية؟
_ هو نفس ما ينقُص الثقافة العربيَّة قاطبةً، في أن تكون حُرَّةً بالمُطْلَق، وأن لا تبقى الدولة من تصرف عليها، أو تعتبر ما تدعم به الثَّقافة صَدَقَةً، في حين أنَّ الثَّقافة بناء، مثل بناء السدود والعمائر والجُسُور والمدارس والمكتبات والجامعات، ودر السينما والمسرح والموسيقى، بل الثقافة أخطر، لأنَّها تبني العقل والفِكْر والوجدان، بل تبني الإنسان، والإنسان هو الثقافة، وهو الإبداع، وهو الخيال والعقل، وهو ما بفي لنا من حضارات نندهش أمام عظمتها. وإذن، فالنقص هو رغبةٌ دائمة في الاكتمال، لا بمعنى الإنهاء والإغلاق، بل بمعنى النقص والفراغ والاستمرار.
ورغم كُلّ النقض الموجود، فنحن نكتب ونقرأ، ونلتقي لنتكلَّم في الثقافة والمعرفة، وننظر إلى القادم، لا إلى ما نحن فيه من أعطاب ومشكلات، لأنَّنا نصبو إلى المستقبل، إلى ما لم نَبْلُغْهُ بعد، نراهُ، ونتوقَّعُه، ونسمع وَقْعَه، كما يسمع حفَّار الآبار حفِيفَ الماء على مسافة من الأرض، أي في ظُلْمَة الأرض، في أعماقها.
▪️ هل الكتابة وسيلة للنجاة أم مجرد توثيق للغرق؟
_ تعُود بي إلى عبد الجبَّار النُّفَّرِي، نسبة إلى بلدة نُفَّر في العراق، حين يقُول «في المُخاطَرَة جُزْءٌ من النَّجاةِ، ومن ألْقَى نَفْسَهُ بلا رُكُوبٍ فهو المُخاطِر النَّاجِي». في هذا السِّياق، يمكن أن نعتبر الكتابة مُخَاطَرَة، فهي بَحْرٌ كثير الأمواج، لا تكفي معرفة السِّباحَة فيه لننجو منه، علينا أن نركب هذا البحر، ونحن نعرف أنَّ الغرق كامن في الرُّكُوب، وفي هذا الرُّكُوب تكون النَّجاة، لا في توخِّي النَّجاة فقط، فهذا سيكون سوء تقدير لما في الكتابة من أهوال عظيمة، تُفْضِي بنا إلى النَّجَاة من الحياة بأعجوبة، كما قال الصديق الرَّاحل محمود درويش، وكما أدْرَك جلجامش ذلك من خلال سيدُورِي صاحبة الحانة، التي ذَكَّرَتْهُ ببنائه لمدينة أوروك، سُرَّة الكون آنذاك.
▪️ ما هو الأثر الذي ترغب أن يتركه نصك الأخير في قارئٍ مجهول؟
_ هو نفس ما يعتريني من رَعَشَاتٍ وأنا أكتب هذا العمل، أعيشُ فِي مَوْجِه ولُجِّه، أُلْقِي فيه بنفسي دون حذَرٍ أو خوف أو رَهْبَة من أيّ شيء، بنفس مُخاطرة النُّفَّرِيّ التي هي النَّجَاة.
لا أُراهِن على نَصٍّ بعينه، بل على الكِتاب كاملاً، بالمعنى الذي أشَرْتُ إليه في تجربة بلزاك ورامبو ومالارميه، بما هو عمر من الكتابة، والتَّجْريب، ومن البحث والتَّأمُّل، ومن القلق والتَّوَتُّر، ومن المُغامَرة والإنصات إلى الصَّمْتِ، أو كتابة هذا الصَّمْت، لا ليكون صوتًا، بل ليكون الحرف وهو يتكشَّف، ويَكْشِف عن رمزيته الأسطورية السِّحْرِيَّة التي هي الكتابة، لا التَّدْوِين، أو حداثة الكتابة كما أسميها.
لا أعرف من يكون هذا القارئ، لكنني أنوقَّعُه، مثل حفَّا الآبَار، وأعرف من سيكون في مزاجه العامّ، لذلك، وأنا أكتب، أصِيخُ السَّمْعَ لِوَقْعِهِ، ولِحَطْوِهِ في دمِي، وفي مَسَامِّي، في رعشاتِي، فما يَطْفُو على ذَوْقِي من نُقْصانٍ، أتركُه لهذا القارئ، ليسعى به نحو الاكتمال، بما هو النُّقْصان نفسه، فلا شيء كامِلٌ، والوجود، في ذاته نقصان
