تضييق الخطاب || بقلم س. ميلز

ترجمة : غريب اسكندر

 

يركّز فوكو، أخيرًا، على تضييق الخطاب بوصفه قيدًا خطابيًا داخليًا. وما يقصده بالتضييق هو مفارقة لافتة: فعلى الرغم من أنَّ التلفّظات التي يمكن أن ينتجها أي شخص تبدو، من الناحية النظرية، غير محدودة، إلّا أنَّها في الواقع تتسم بتكرار ملحوظ، وتظل ضمن حدود متوافق عليها اجتماعيًا. ومن الناحية النظرية، يستطيع أي شخص أن يتلفّظ بما يشاء، ولكنَّ الناس، أولًا، يميلون إلى أن تظل اختياراتهم لموضوعات حديثهم والكلمات التي يستعملونها مقيّدة إلى حد كبير بالمعايير الاجتماعية والشخصية، وثانيًا، يميلون إلى أن يكونوا مقيّدين إلى حدّ كبير في كيفية تشكّل رغباتهم واحتياجاتهم ذاتها. ولذلك، فإنَّ ما نجد أنفسنا راغبين في قوله يقع ضمن مجموعات من الحدود والمعايير المحدودة والمتوقعة إلى حد كبير. ويمكن تشبيه ذلك بنظام الموضة: فهناك عدد محدود من أنماط الملابس والأقمشة والألوان المتاحة لنا في المتاجر لشرائها. ونحن نشكّل رغباتنا المتعلقة بالصورة التي نرغب في إظهارها عن أنفسنا ضمن حدود ما هو متاح لنا. ومع ذلك، تبدو لنا اختياراتنا المتعلقة بالملابس شخصيةً.

وسيقول فوكو إنَّ هذه الحدود تُرسَم بفعل الحدود الخطابية؛ فنحن نتكلم ونتصرف ضمن الحدود التي ترسمها لنا الخطابات. فعلى سبيل المثال، لا نختار عدم ارتداء السراويل، إلا إذا كان عدم ارتدائها قد أصبح مقبولًا وممكنًا من الناحية الخطابية. وسيركّز التحليل الأيديولوجي لصناعة الموضة على المصالح التي تخدمها هذه الحدود المفروضة على إمكانات التعبير، وفوكو واضح بالتأكيد في أنَّ الحدود الخطابية هي حدود تقرّها مؤسسة من نوع ما. ولكنّه أقل اهتمامًا بالمصالح التي تخدمها هذه الحدود من اهتمامه بالآثار التي تتركها هذه الحدود في التعبير.

يُحاط الخطاب بطقوس تحدّ من عدد الأشخاص الذين يمكنهم التلفظ بأنواع معينة من الملفوظات؛ فعلى سبيل المثال، لا يملك، من الناحية القانونية، صلاحية تزويج زوجين إلا كاهن أو موظف تسجيل؛ ولا يملك صلاحية افتتاح البرلمان إلا الملك. ولو تلفّظ شخص غير مخوَّل بالكلمات نفسها، لما كان لملفوظه أثر؛ ومن ثم فإنَّ الممثل الذي «يزوّج» شخصًا على خشبة المسرح لا يصبح، من الناحية القانونية، متزوجًا منه. ويتسآل فوكو: ” فما نظام التعليم، في نهاية المطاف، سوى طقسنةٍ الكلام (ritualization of speech)، وتحديدٍ لأهلية المتكلمين وتثبيتٍ لأدوارهم، وتكوينِ جماعةٍ عقائدية، مهما تكن حدودها فضفاضة، وتوزيعٍ للخطاب والاستحواذ عليه بما ينطوي عليه من قوى ومعارف” (Foucault, 1981: 64).

وهكذا، بدلًا من النظر إلى نظام التعليم بوصفه مؤسسة تنويرية تُشجَّع فيها حرية البحث عن الحقيقة، يراه فوكو بالأحرى شكلًا من أشكال تنظيم الخطاب. فداخل المؤسسات التعليمية حقوقٌ صارمة في الكلام؛ فعلى سبيل المثال، لا يتكلم في المحاضرة إلا المحاضر، ويُنظر إلى أي كلام آخر بوصفه خروجًا عن المألوف ما لم يأذن به المحاضر. وهناك أيضًا قواعد صارمة بشأن ما يمكن أن يُقبل بوصفه معرفة؛ فالمحاولات الرامية إلى التعبير عن أفكار لا تستند إلى معرفة سابقة، أو التي لا تُصاغ في الشكل التقليدي للمقالة أو الأطروحة، تُوصَم عمومًا وتُصنَّف بوصفها إخفاقات. وعلى العكس، فإنَّ أشكال المعرفة التي تلتزم بدقة بقواعد الخطاب تحظى بالتصديق والاعتراف. ومن أمثلة ذلك بحث أكاديمي ساخر أثار فضيحة عندما تبيّن، بعد نشره، أنَّ البحث كان في الواقع خدعة. وكان عنوان البحث: “انتهاك الحدود: نحو هرمنيوطيقا تحويلية لجاذبية الكم”، وقد كتبه الفيزيائي الأمريكي آلان سوكال من جامعة نيويورك. وقدّم سوكال البحث إلى مجلة الدراسات الثقافية Social Text بوصفه بحثًا ساخرًا. وكان سوكال يريد أن يبرهن على خواء الدراسات الثقافية من خلال نشر مقالة لا معنى لها في جوهرها، ولكنّها توحي بالاستشهاد بالمنظّرين «المعتمدين»، وتطرح الحجج «المقبولة» بما يتوافق مع الأرثوذكسية السائدة آنذاك في الدراسات الثقافية. وقد قُبلت المقالة للنشر؛ إذ يقول بيتر جونز: “لقد تحدثت بلغتهم. هذا كل ما كان مهمًا. أما تقييم الحجة فلم يكن موضع اهتمام” (Jones, 1996: 16). ومع أنَّ هذا القول ينطوي بوضوح على قدر من المبالغة، فإنّ المقالة قُبلت بالفعل للنشر لأنّها التزمت بالقواعد الخطابية السائدة في ذلك التخصص.

وما يجعل تحليل فوكو للخطاب في “نظام الخطاب” نافذًا إلى هذا الحد هو تركيزه على التقييد constraint، أي على الطريقة التي نتحرك بها ضمن الحدود الخطابية، بدلًا من افتراض أنّ الناس أحرار في التعبير عما يشاؤون. وقد يبدو هذا التركيز على التقييد سلبيًا في جوهره، ولكن إذا نظرنا إليه بالاقتران مع عمله اللاحق في “تاريخ الجنسانية” الذي سبقت الإشارة إليه في الفصل السابق، بدا لنا هذا التقييد بوصفه منتجًا بقدر ما هو مُحدِّد. فلا يمكن إنتاج المعرفة إلا من خلال عملية التقييد هذه.

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.