حين يكتب الروائي نفسه .. وتغيب المرأة عن كتابة ذاتها || قراءة في رواية «عشيقات النذل» لكمال الرياحي

مقال : مينة بوشكيوة _ كاتبة مغربية

هناك روايات تنتهي عند الصفحة الأخيرة، وأخرى تبدأ بعد أن نغلقها. وكانت رواية «عشيقات النذل» لكمال الرياحي، بالنسبة إليّ، من النوع الثاني. لم أغلقها وأنا أفكر فقط في الحب أو الخيانة أو الرغبة أو تعدد العلاقات، بل خرجت منها بسؤال ظل يلاحقني: لماذا احتاج الرجل إلى كل هؤلاء النساء ليكتب نفسه، بينما لم يمنح واحدة منهن المساحة نفسها كي تكتب ذاتها

 

لا أكتب هذه القراءة لأحاكم كمال الرياحي، ولا لأضع الرواية في قفص اتهام نسوي جاهز. على العكس، أرى أن الرواية شجاعة في تعرية الرجل المثقف، وفي كشف هشاشته ونرجسيته وتناقضاته، وفي إسقاط الهالة الأخلاقية التي تحيط عادة بصورة الكاتب. لكن إعجابي بهذه الجرأة لم يمنعني من التوقف طويلًا أمام صورة المرأة داخل النص، لأن الرواية تنجح بوضوح في تشريح الرجل، بينما تظل أقل إنصاتًا إلى النساء اللواتي شُيّد عالمها من أجسادهن وذكرياتهن وغيابهن.

 

فالمرأة ليست غائبة عن «عشيقات النذل». إنها حاضرة بكثافة: في العنوان، وفي الذاكرة، وفي السرير، وفي الحنين والغيرة والخوف. غير أن الحضور العددي لا يعني بالضرورة حضورًا سرديًا حقيقيًا. وجدت في الرواية نساء كثيرات، لكنني وجدت رجلًا واحدًا يروي ويتذكر ويؤول ويرتب الماضي، ويمنح لكل امرأة موقعها ومعناها داخل الحكاية. لهذا يمكن القول إن المرأة ليست غائبة عن الرواية، بل غائبة عن سلطة الرواية.

 

منذ البداية، لا تدخل النساء إلى النص من أبوابهن الخاصة، بل من الباب الذي يفتحه لهن البطل. نحن لا نعرفهن كما يعرفن أنفسهن، بل كما يتذكرهن ويشتهيهن ويغار عليهن ويخاف خسارتهن. إنهن لا يقدمن سيرتهن، بل يُستدعين داخل سيرته هو. ومن هنا تصبح الرواية، في جوهرها، أقل ارتباطًا بالعشيقات أنفسهن وأكثر ارتباطًا بالرجل الذي يحتاج إليهن كي يكتب تاريخه الداخلي.

 

كل امرأة في الرواية تكشف جانبًا من شخصية البطل أكثر مما تكشف عالمها المستقل. إحداهن توقظ غيرته، وأخرى تعيد إليه وهم الشباب، وثالثة تفضح خوفه من الوحدة، ورابعة تضع رجولته أمام امتحان، وخامسة تصبح مرآة لصورته الاجتماعية بوصفه كاتبًا ومثقفًا. هكذا لا تدخل المرأة الرواية لأنها مركز قائم بذاته، بل لأنها تنير زاوية مظلمة في الرجل. يمكن تلخيص هذا البناء في جملة واحدة: هو لا يكتب النساء بقدر ما يكتب نفسه من خلالهن.

 

لكن ما يلفت الانتباه أكثر هو أن بوابة الدخول إلى معظم الشخصيات النسائية هي الجسد. الشعر، العينان، الفم، العطر، الملابس، القامة، الامتلاء، النحافة، الحمل، السرير، طريقة المشي، والصورة التي تليق بالظهور إلى جانب الكاتب؛ كلها عناصر تسبق غالبًا الفكر والوعي والسيرة الداخلية.

 

ليست المشكلة، في تقديري، أن الرواية تصف الجسد. فالجسد جزء من الأدب، والرغبة مادة إنسانية مشروعة، والكتابة التي تتجنب الجسد بدعوى الأخلاق قد تتحول إلى كتابة كاذبة. المشكلة تبدأ حين يصبح الجسد هو المدخل الرئيسي إلى المرأة، بينما يبقى عقلها وألمها وأسئلتها ورؤيتها للعالم في مرتبة ثانية.

حين يصف السرد المرأة جسديًا بهذه الكثافة، فإنه لا يقدم فقط ما يراه الرجل، بل يكشف أيضًا الطريقة التي يبني بها وعيه علاقته بالنساء. المرأة هنا مرئية قبل أن تكون متكلمة، ومشتهى قبل أن تكون ذاتًا، وذكرى حسية قبل أن تكون وعيًا مستقلًا.

 

حتى الرائحة لا تبدو تفصيلًا عابرًا. فالنساء يُستدعين عبر العطر والشعر والجلد والفراش والصور والألوان. وكأن ذاكرة البطل لا تحفظ المرأة في أفكارها أو جملها أو مواقفها بقدر ما تحفظ آثارها الحسية. تتحول المرأة إلى أرشيف للرائحة واللمس والصورة، ويستعيد الرجل من خلالها ماضيه وقلقه وعجزه عن الانفصال.

إنها حاضرة بوصفها أثرًا فيه، لا بوصفها مركزًا لنفسها.

ويظهر هذا الاختلال بوضوح في مسألة الحمل.

فالحمل، الذي يفترض أن يكون تجربة جسدية ونفسية ووجودية تخص المرأة أولًا، يتحول داخل الرواية إلى أزمة للرجل: أزمة نسب وغيرة وملكية وخوف وقرار. يصبح السؤال الأهم هو أثر الحمل على البطل، وعلى صورته، وعلى علاقته بالمرأة، أكثر من أثره عليها هي.

 

لا يغيب جسد المرأة الحامل، بل يحضر بقوة، لكن صوتها الداخلي يتراجع. نراها من الخارج، ونسمع اضطراب الرجل أمامها، بينما لا ندخل بالقدر نفسه إلى خوفها أو رغبتها أو حيرتها أو إحساسها بجسدها المتغير. وهذه إحدى المفارقات الأساسية في الرواية: جسد المرأة في قلب الحكاية، لكن وعيها ليس في المركز ذاته.

 

أما الشخصيات التي تبدو أكثر استقلالًا وثقافة وخبرة، فإنها لا تنجو تمامًا من النظرة نفسها. قد تكون المرأة متعلمة، عاملة، مثقفة، صاحبة تجربة وقادرة على إدارة حياتها، لكن السرد يعيدها مرارًا إلى موقع الزوجة أو العشيقة أو الجسد الذي تتم مقارنته بغيره. وكأن الرواية تمنح المرأة بعض السيرة، لكنها لا تمنحها السيادة على تلك السيرة.

 

من هنا يصبح السؤال ليس: هل في الرواية نساء قويات؟ بل: هل تمتلك أي امرأة حق تعريف قوتها بنفسها؟ فالمرأة قد تكون مستقلة في حياتها، لكنها ليست مستقلة في طريقة تقديمها داخل النص. تظل خاضعة لعين الراوي، ولذاكرته، ولغته، ومعاييره الجمالية والاجتماعية. حتى حين تعترض أو تغادر أو تخون أو تختار، فإن أفعالها تُقرأ غالبًا من زاوية أثرها في الرجل. الرجل هو الذي يمنح الحدث معناه الأخير.

 

وهنا تبرز سلطة السرد بوصفها سلطة ذكورية، لا لأن الرواية كتبها رجل فحسب، بل لأن الرجل داخلها يحتكر التسمية والتفسير والحكم. هو الذي يقرر من كانت جميلة، ومن كانت جديرة بالحب، ومن خذلته، ومن أنقذته، ومن شوهت حياته، ومن تصلح لأن تظهر إلى جانبه.

 

بل إن بعض المقاطع تكشف أن صورة المرأة لا تنفصل عن صورة الكاتب الاجتماعية. فالمرأة لا تُختار فقط بوصفها موضوع رغبة، بل بوصفها أيضًا جزءًا من المشهد الذي يريد المثقف أن يظهر فيه. وهنا تتحول المرأة إلى نوع من الرأسمال الرمزي: جسد يليق بصورة الكاتب، وشريكة تنسجم مع حضوره العام، وواجهة تؤكد ذوقه ومكانته.

 

وهذا تناقض بالغ الدلالة. فالبطل الذي يعلن تمرده على المجتمع وأعرافه لا يتحرر تمامًا من مقاييسه. إنه يزدري نظرة الآخرين، لكنه يستبطنها حين ينظر إلى المرأة ويقيس مدى ملاءمتها لصورته. وبذلك لا يكون متمردًا خارج النظام الذكوري، بل ابنًا مأزومًا من أبنائه.

مع ذلك، لا أرى أن الرواية تمجد هذه النظرة. فالبطل ليس رجلًا منتصرًا ولا نموذجًا يُحتذى، بل شخصية متصدعة، غارقة في التردد والغيرة والنرجسية والخوف. والرياحي لا يوفر له حماية أخلاقية، بل يكشف ضعفه وقبحه وسقوطه. من هذه الزاوية يمكن اعتبار «عشيقات النذل» رواية في فضح الذكورة أكثر مما هي رواية في الاحتفاء بها.

 

لكن هنا يبرز السؤال الأصعب: هل يكفي أن نفضح الرجل من الداخل حتى نكون قد أنصفنا المرأة؟

قد يكون الكاتب قد قصد إلى كشف المخيال الذكوري عبر جعل بطله أسيرًا له. وقد يكون حضور النساء من خلال عينه اختيارًا فنيًا واعيًا، لأن الرواية هي رواية هذا الرجل لا روايتهن. غير أن الأثر النهائي يظل قائمًا: نخرج وقد عرفنا هشاشة الرجل بالتفصيل، بينما بقيت النساء أقل وضوحًا في دواخلهن.

 

الرواية تمنح الرجل حق الاعتراف، وحق التناقض، وحق السقوط، وحق أن يكون معقدًا. أما المرأة فغالبًا ما تُرى من خلال علاقتها به: محبوبة أو زوجة أو عشيقة أو غائبة أو حامل أو مرغوبة أو مخيبة لانتظاره. إنها تحمل وظائف سردية كثيرة، لكن استقلالها الوجودي يبقى محدودًا.

 

هذا ما يجعل المقارنة بمحمد شكري مفيدة، لا بوصفها اتهامًا بالتأثر المباشر، بل بوصفها قرابة جمالية. يصعب على من يعرف انشغال كمال الرياحي بأدب شكري وكتاباته عنه ألا يستحضر بعض ملامح تجربته: تعرية الذات، جرأة الاعتراف، كسر صورة الكاتب الأخلاقية، وكتابة الجسد بلا أقنعة.

 

لكن الفرق بينهما جوهري. محمد شكري كتب الجسد داخل عالم الفقر والهامش والعنف والبقاء. الجسد عنده جائع ومضروب ومهدد، والجنس جزء من صراع الإنسان مع واقع قاسٍ. أما الرياحي فيكتب الجسد داخل أزمة المثقف، داخل المقاهي والجامعة والكتب والندوات والغيرة العاطفية. إذا كان شكري قد كتب سيرة الجسد المهمش، فإن الرياحي يكتب سيرة الجسد داخل نرجسية المثقف وانكساره.

وتظهر المرأة في التجربتين من خلال عين الرجل، لكن امرأة شكري جزء من قسوة العالم الاجتماعي، بينما تصبح امرأة الرياحي، في كثير من الأحيان، مرآة نفسية للرجل الكاتب. إنها تساعده على اكتشاف شقوق ذاته، لكننا لا نُمنح بالقدر نفسه فرصة اكتشاف شقوقها هي.

أما التقاطع مع نموذج «اللامنتمي» عند كولن ويلسون، فيبقى أقرب إلى المناخ الوجودي العام.

 

البطل يشعر بالغربة عن المجتمع والجامعة والوسط الثقافي، ويتنقل بين النساء والذكريات بحثًا عن شيء لا يستقر على اسمه. لكنه يختلف عن لامنتمي ويلسون في أنه لا يبدو ساعيًا إلى تجاوز أزمته بقدر ما يدور داخلها. النساء لا يقدنه إلى الخلاص، بل يضاعفن المرايا التي يرى فيها سقوطه. غير أن هذه المقارنات كلها تبقى ثانوية أمام السؤال الرئيسي: أين المرأة من ذاتها؟

 

وأنا أقرأ «عشيقات النذل»، لم أكن أبحث عن نساء مثاليات، ولا عن رواية نسوية، ولا عن بطل مهذب. كنت أبحث فقط عن لحظة أسمع فيها المرأة بعيدًا عن عين الرجل. امرأة لا تدخل النص لأنها جميلة أو مرغوبة أو حامل أو غائبة، بل لأنها إنسان يمتلك حق الكلام عن نفسه.

 

ربما كان سيكفي فصل واحد تكتبه إحدى النساء كي يتغير توازن الرواية كله. ماذا لو أمسكت ناديا أو حياة أو هند بالقلم؟ كيف كن سيصفن الرجل الذي وصفهن؟ كيف كن سيروين غيرته ونرجسيته وعجزه؟ هل كان سيظل بطل الرواية، أم سيصبح شخصية أخرى تمامًا؟

تلك هي المفارقة التي بقيت معي بعد القراءة: كتب كمال الرياحي رجلًا يعرّي نفسه بجرأة، لكنه جعل النساء يعبرن هذا الاعتراف من دون أن يمتلكن اعترافهن الخاص. حضرن في الجسد والذاكرة والرغبة والغياب، لكنهن لم يحضرن بالقدر نفسه بوصفهن ذواتًا تكتب عالمها.

 

لهذا لا أقول إن المرأة غائبة عن «عشيقات النذل». إنها في كل مكان. لكن حضورها الحقيقي يظل ناقصًا ما دامت تُكتب أكثر مما تكتب، وتُرى أكثر مما ترى، ويُروى أثرها في الرجل أكثر مما تُروى تجربتها هي.

ولعل السؤال الذي تتركه الرواية مفتوحًا ليس فقط: من هو النذل؟ بل أيضًا: من يملك القلم كي يسمي الآخر نذلًا؟

_____________________________________________

*مونتريال- 01-08- 2026
▪️ مينة بوشكيوة : كاتبة مغربية مقيمة في كندا، أستاذة فلسفة، كاتبة مقالات، وناشطة ثقافية وحقوقية. تم توقيفها عن العمل واضطرت إلى الهجرة إلى كندا بسبب مواقفها المناهضة للفكر الراديكالي.
مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.