حين يتحدث التراث بلغة الفن || العراق يستعيد ذاكرته على خشبة الفلكلور

تقرير خاص | مدار 24

بغدادمصطفى شاكر | لا يعيش التراث في الكتب والمتاحف فحسب ففي العراق يمكن أن يعود إلى الحياة من خلال الموسيقى والرقص والأزياء والحكايات الشعبية. ومن هنا تأتي أهمية الفعاليات والمهرجانات التي تضع الفلكلور العراقي أمام الجمهور، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرّف إلى جزء من الذاكرة الثقافية لبلادهم.

 

وفي هذا السياق، طُرح خلال عام 2026 مشروع لإطلاق مهرجان العراق للفنون والتراث بالتنسيق بين دائرة الفنون الموسيقية ومؤسسة مختصة بالفنون والتراث، على أن يكون تظاهرة وطنية تُبرز التنوع الثقافي والفني والتراثي في مختلف المحافظات العراقية، مع التأكيد على دعم المبدعين وصون الموروث الثقافي.

 

▪️ الفلكلور ذاكرة تتحرك أمام الجمهور

 

يمتلك العراق تنوعاً واسعاً في فنونه الشعبي فلكل منطقة أزياؤها وعاداتها وألحانها ورقصاتها التي تشكلت عبر أجيال طويلة.

 

وتظهر هذه الخصوصية في الرقصات الشعبية التي ترافق المناسبات الاجتماعية والأعياد والأعراس، وفي الأزياء التي تحمل دلالات مرتبطة بالبيئة والمجتمع، إضافة إلى الآلات الموسيقية والإيقاعات التي تمنح كل منطقة طابعها الخاص.

 

وتشير مواد صحفية عراقية إلى أن الفولكلور العراقي يجمع أشكالاً متعددة من الرقص والأداء الشعبي، بما يعكس التنوع الثقافي والجغرافي للبلاد.

 

لا يمكن فصل الفلكلور عن الملابس التقليدية. فالأزياء الشعبية العراقية تختلف باختلاف المناطق والمكونات الاجتماعية، وتحمل في تفاصيلها ألواناً ونقوشاً وأشكالاً ارتبطت بالبيئة والعادات المحلية.

 

وعلى خشبة المسرح تتحول هذه الملابس من مجرد أزياء إلى عنصر بصري أساسي؛ فالحركة الجماعية والألوان وطريقة ارتداء الملابس تساعد على تقديم صورة عن المجتمع العراقي وتنوعه.

 

ولهذا تحرص عروض الفنون الشعبية على الجمع بين الأداء الحركي والموسيقى والزي التقليدي، حتى تصبح الفقرة الفنية أقرب إلى لوحة متكاملة عن المكان والناس.

▪️ من الجوبي إلى البصراوية تنوع عراقي على إيقاع واحد

 

من أبرز ما يميز الفلكلور العراقي تعدد أشكاله. فهناك الجوبي المعروف في مناطق عراقية عدة، وهناك رقصات وأداءات شعبية مرتبطة بالبيئة البصرية والجنوبية، فضلاً عن الألوان الفلكلورية الكردية والتركمانية وغيرها من أشكال التعبير الشعبي الموجودة في المحافظات.

 

وفي بعض الفرق الشعبية العراقية يجري تقديم أنواع مختلفة من الدبكات والرقصات التي تمثل التنوع الموجود في البلاد، في محاولة لتحويل الاختلاف الثقافي إلى مساحة للتعارف والتقارب.

 

حيث أن الموسيقى عنصر أساسي في الفلكلور، فهي التي تمنح الرقص إيقاعه وتربط العرض الفني بالموروث الشعبي.

 

وتعمل المؤسسات والفرق الفنية العراقية على تقديم الأغاني والألحان التراثية وتعريف الأجيال الجديدة بها، إلى جانب دعم المواهب الشابة في الغناء والعزف والتأليف الموسيقي. وقد أكدت دائرة الفنون الموسيقية أهمية التواصل مع الأجيال الجديدة ودعم الطاقات الشبابية في المجال الموسيقي.

 

لا تتوقف الفنون الشعبية عند الرقص والغناء؛ فالحرف اليدوية جزء مهم من الصورة أيضاً. الفخار، والنسيج، والنقش، وصناعة الأدوات التقليدية، والأزياء، والخط والزخرفة، كلها مجالات يمكن أن تتحول إلى مادة فنية وثقافية داخل المهرجانات والمعارض.

 

ولهذا فإن إقامة تظاهرات تجمع الفنون والتراث يمكن أن تخلق مساحة يلتقي فيها الفنان بالحرفي والموسيقي بالراقص والباحث بالجمهور.

▪️ لماذا يحتاج العراق إلى مهرجانات التراث؟

 

تكمن أهمية هذه الفعاليات في أنها لا تقدم الماضي باعتباره شيئاً منتهياً، وإنما تحاول إعادة تقديمه بلغة يفهمها الجمهور المعاصر.

 

فالشاب الذي قد لا يقرأ كتاباً عن إحدى الرقصات الشعبية يمكن أن يشاهدها على المسرح، ويسمع موسيقاها، ويرى ملابسها وحركاتها، ثم يبدأ بالسؤال عن أصلها وتاريخها.

 

وقد جاء مشروع مهرجان العراق للفنون والتراث في هذا الاتجاه، إذ طُرحت فكرة أن تكون التظاهرة وطنية وتبرز التنوع الثقافي والفني والتراثي في المحافظات المختلفة، مع الاهتمام بصون الموروث ودعم المبدعين.

 

ربما تكون القيمة الأكبر للفلكلور العراقي أنه يكشف عن عراق متعدد الألوان والثقافات. فعندما تجتمع على منصة واحدة أزياء ورقصات وموسيقى من مناطق مختلفة، تظهر صورة أخرى للبلاد صورة لا تختصر العراق في مدينة أو لهجة أو لون واحد، وإنما تقدمه بوصفه مساحة واسعة من الثقافات المحلية التي عاشت جنباً إلى جنب عبر التاريخ.

 

ولهذا فإن المهرجانات التراثية يمكن أن تكون أكثر من عروض فنية إنها مشروع للحفاظ على الذاكرة وتعريف الأجيال الجديدة بتنوع مجتمعهم.

▪️ من الماضي إلى المستقبل

 

يبقى التحدي الحقيقي هو ألا يتحول الفلكلور إلى عرض موسمي ينتهي بانتهاء المهرجان. فحماية التراث تحتاج إلى توثيق، وتعليم، ودعم للفنانين والحرفيين، وإشراك الشباب، وإتاحة المجال أمام الباحثين لجمع الروايات والصور والتسجيلات القديمة.

 

وإذا نجحت هذه الجهود، فإن الرقصات والأغاني والأزياء والحرف الشعبية لن تبقى مجرد ذكريات من الماضي، بل يمكن أن تستمر بوصفها جزءاً حياً من الثقافة العراقية.

 

فالتراث العراقي ليس ماضياً نحتفظ به خلف الزجاج، بل ذاكرة يمكن أن تمشي على المسرح، وتغني، وترقص، وتصنع بيد الإنسان العراقي حكاية جديدة.

مقالات قد تعجبك
2 Comments
  1. whatsapp web علق

    Daha önce araştırıp pek Türkçe kaynak bulamadığım sorundu Elinize sağlık eminim arayan çok kişi vardır.

  2. whatsapp web علق

    hocam gayet açıklayıcı bir yazı olmuş elinize emeğinize sağlık.

اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.