ياس خضر «صوت الأرض» الذي بقيت أغنياته في ذاكرة العراق
أعداد : مصطفى شاكر _ العراق
في الأول من أيلول عام 2023، غاب عن العراق واحد من أكثر الأصوات ارتباطاً بالذاكرة الشعبية العراقية، الفنان ياس خضر، الذي عُرف بلقب «صوت الأرض». رحل في بغداد عن عمر ناهز 85 عاماً، بعد مسيرة فنية امتدت لأكثر من ستة عقود، ترك خلالها مجموعة كبيرة من الأغنيات التي أصبحت جزءاً من ذاكرة العراقيين.
ولم يكن رحيله مجرد غياب مطرب كبير، بل كان نهاية فصل من فصول الأغنية العراقية التي استطاعت أن تجمع بين الكلمة الشعبية واللحن العراقي والصوت المليء بالشجن.
▪️ من هو ياس خضر؟
وُلد ياس خضر عام 1938 في مدينة النجف، واسمه الكامل ياس بن خضر بن علي القزويني الحسيني. بدأ مشواره الغنائي في ستينيات القرن العشرين، وكانت أغنية «الهدل» من بداياته المعروفة، قبل أن تتوالى أعماله التي جعلت صوته حاضراً بقوة في المشهد الغنائي العراقي.
تميز صوته ببحة خاصة وإحساس عالٍ، وهو ما منحه شخصية فنية يصعب تقليدها. ومع مرور السنوات أصبح صوته مرتبطاً بالأغنية العراقية الشعبية، حتى صار لقب «صوت الأرض» ملازماً لاسمه.
▪️ أغنيات صنعت الذاكرة
خلال مسيرته الطويلة، قدم ياس خضر عشرات الأغنيات التي بقيت حاضرة لدى أجيال متعاقبة، ومن أشهرها «مرينا بيكم حمد» و«الليل البنفسج» و«تايبين» و«جذاب» و«ولو تزعل» وغيرها.
وكانت أغنية «مرينا بيكم حمد» تحديداً من الأعمال التي ارتبط اسمه بها بقوة، لما تحمله من حزن وحنين وصورة شعبية قريبة من وجدان العراقيين.
لم تكن أغانيه تعتمد على الصوت وحده، بل كان اختيار الكلمات والألحان جزءاً أساسياً من نجاح تجربته؛ فقد تعاون خلال مسيرته مع عدد من الملحنين والشعراء، واستطاع أن يحول النص الشعبي إلى أغنية ذات حضور واسع.
▪️ لماذا سُمّي «صوت الأرض»؟
جاءت تسمية «صوت الأرض» لتعبّر عن طبيعة صوته وأسلوبه في أداء الأغنية العراقية. فقد كان صوته يحمل مسحة واضحة من الحزن والشجن، وهي سمة وجد فيها كثير من المستمعين انعكاساً للحياة العراقية بكل ما فيها من حب وفراق وحنين واغتراب.
وتشير دراسات وكتابات تناولت تجربته إلى أن صوته امتلك مساحة واسعة وقدرة على أداء الألحان الصعبة، مع نبرة شجية أصبحت علامة مميزة له.
▪️ من العراق إلى العالم
لم تتوقف شعبية ياس خضر عند حدود العراق، فقد وصل صوته إلى جمهور عربي واسع، وقدم حفلات في دول مختلفة، كما كان له حضور بين الجاليات العراقية والعربية في أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة، إضافة إلى شعبيته الكبيرة في دول الخليج.
وهكذا تحولت الأغنية التي خرجت من البيئة العراقية إلى وسيلة حملت معها شيئاً من العراق إلى العراقيين المقيمين بعيداً عن وطنهم.
▪️ ياس خضر والسينما والتكريم
لم يقتصر حضوره على الغناء تماماً، فقد شارك في الفيلم العراقي «الجزاء»، وكان ذلك من أبرز تجاربه السينمائية. كما حظي خلال حياته بعدد من التكريمات، من بينها تكريمه في مهرجان الدوحة عام 2005، وتكريمات أخرى في مناسبات فنية مختلفة.
وكان آخر ألبوماته الغنائية «ليل الوداع» عام 2010، مع استمرار حضوره الفني حتى سنواته الأخيرة، إذ كان يستعد لتسجيل أعمال غنائية جديدة قبل رحيله.
في الأيام الأخيرة من حياته، مر ياس خضر بأزمة صحية ودخل المستشفى في بغداد، قبل أن تعلن نقابة الفنانين العراقيين في الأول من أيلول 2023 خبر وفاته، عن عمر ناهز 85 عاماً.
وكان رحيله في وقت شهد فيه الوسط الثقافي العراقي أيضاً فقدان أسماء فنية وأدبية بارزة، ليصبح عام 2023 واحداً من الأعوام التي غابت فيها مجموعة من الوجوه التي ارتبطت بذاكرة الثقافة والفن العراقي.
▪️ إرث لا يغيب
بعد رحيله، لم يتوقف حضور ياس خضر فالأغنية التي سجلها قبل عقود ما زالت تُسمع، وصوته ما زال يعود في الإذاعات والحفلات وذاكرة الناس.
وهنا تكمن قيمة الفنان الحقيقي فالموت ينهي حضور الإنسان، لكنه لا يستطيع إنهاء أثره إذا كان قد ترك شيئاً يعيش بعده.
لقد غاب ياس خضر، لكن «صوت الأرض» بقي في الأغنية العراقية؛ في الكلمات التي يعرفها العراقيون، وفي الألحان التي رافقت أجيالاً، وفي صوت شجيّ استطاع أن يحول الحزن والحنين إلى ذاكرة فنية لا تزال حاضرة.
ياس خضر لم يكن مجرد مطرب عراقي، بل كان واحداً من الأصوات التي حملت ملامح العراق إلى مسامع أجيال كاملة، ولذلك بقي اسمه حاضراً كلما عادت الأغنية العراقية القديمة إلى الواجهة.
