ذكرى رحيل جبار رشيد شاعرٌ ترك بغداد تتحدث بلسان القصيدة
أعداد : مصطفى شاكر _ العراق
في الأول من أيلول/سبتمبر من عام 2020، غاب عن المشهد الثقافي العراقي الشاعر الشعبي جبار رشيد، أحد الأصوات التي تركت حضوراً واضحاً في ذاكرة الشعر الشعبي العراقي. وبعد سنوات من رحيله، ما زالت قصائده حاضرة بين محبي الشعر، وتعود سيرته كل عام بوصفها تجربة شاعر رحل مبكراً وترك وراءه نصوصاً ارتبطت بالحب والإنسان والوطن والحياة اليومية.
ولد جبار رشيد في بغداد عام 1973، ونشأ في بيئة شعبية كان للشعر فيها حضور واضح. بدأ كتابة الشعر عام 1994، واستطاع خلال سنوات قليلة أن يكوّن أسلوباً خاصاً جعله قريباً من الجمهور، بعيداً عن اللغة المتكلفة، ومعتمداً على المفردة العراقية والصورة الشعرية التي تلامس تفاصيل الحياة اليومية.
▪️ شاعر قريب من الناس
لم تكن قصيدة جبار رشيد بعيدة عن الشارع العراقي. فقد كتب عن الحب والفراق والحنين والوطن والفقراء، وعن التفاصيل الصغيرة التي يعيشها الإنسان العراقي يومياً.
وكانت إحدى نقاط قوته في قدرته على تحويل المشاعر البسيطة إلى نص شعري يصل بسرعة إلى المتلقي، ولذلك انتشرت قصائده على نطاق واسع، خصوصاً بين الشباب.
وتصفه مجلة الشبكة العراقية بأنه كان يجمع في تجربته بين الغزل واللوعة والحياة، وبأسلوب بسيط لكنه عميق، كما أشارت إلى أن قصيدته وصلت إلى شرائح واسعة من الشباب.
▪️ «صوت الشمس»
حمل مشروعه الشعري اسم «صوت الشمس»، وهو عنوان ارتبط بتجربته وبالصورة التي تركها في المشهد الشعبي العراقي.
ومن القصائد التي عُرفت باسمه: «خذني يمك» و«كون تشوف» و«أحب كلك» و«صوتك ندهني» و«شلون أيام» و«أريد اسم العراق» وغيرها من النصوص التي تداولها الجمهور واحتفظ بها في ذاكرته.
لم يقتصر حضور جبار رشيد على كتابة القصيدة وإلقائها، بل عمل أيضاً في إذاعة قناة العراقية، وقدم برنامجاً شعرياً حمل اسم «ليل وشعر»، كان يلتقي خلاله بالشعراء الشباب ويتابع تجاربهم.
وبذلك أصبح جزءاً من المشهد الشعري والإعلامي في العراق، وساهم في تقديم أصوات شعرية جديدة إلى الجمهور.
▪️ رحيل مبكر
في 1 أيلول/سبتمبر 2020، توفي جبار رشيد في بغداد عن عمر يقارب 47 عاماً، بعد تعرضه لجلطة دماغية وفق مصادر صحفية عراقية. وقد أثار خبر رحيله حزناً واسعاً بين الشعراء والمثقفين ومحبيه، خصوصاً أن رحيله جاء في سن مبكرة.
وبعد وفاته، أقيمت جلسات وأمسيات لاستذكار تجربته الشعرية، وظلت قصائده تتردد في المناسبات والأمسيات الشعبية. وفي بغداد، أُقيمت في السنوات اللاحقة أمسيات خصصت لاستعادة قصائده وقراءة تجربته، في دليل على استمرار حضوره في الذاكرة الثقافية.
رغم ارتباط اسم جبار رشيد بقصائد الحب والغزل، فإن تجربته كانت أوسع من ذلك. فقد تناول الوطن والناس والفقر والموت والحياة، وكتب عن شخصيات وتفاصيل من المجتمع العراقي، وجعل من الإنسان البسيط مادة أساسية في قصيدته.
ولهذا بقيت قصيدته قريبة من الناس؛ لأنها لم تتحدث من برجٍ بعيد، وإنما خرجت من البيئة العراقية نفسها، ومن شوارع بغداد وأحيائها وتفاصيلها اليومية.
ربما كان أقسى ما في رحيل جبار رشيد أنه جاء في وقت كانت تجربته الشعرية لا تزال قابلة لمزيد من التطور والاتساع. لكنه، رغم قصر حياته، استطاع أن يترك أثراً واضحاً في الشعر الشعبي العراقي.
وبقيت قصائده تتناقلها الأجيال، وتُقرأ في الأمسيات، وتنتشر عبر المنصات الرقمية، فيما تستمر جلسات استذكاره بين الشعراء ومحبيه. وقد شهدت بغداد، في السنوات الأخيرة، أمسيات شعرية استحضرت اسمه وقصائده، مؤكدة أن غياب الشاعر لا يعني بالضرورة غياب صوته.
▪️ في ذكرى رحيله
لم يكن جبار رشيد شاعراً طويلاً في العمر، لكنه كان شاعراً ترك أثراً أكبر من سنواته. كتب بلهجة الناس، عن أحلامهم وحزنهم وحبهم ووطنهم، ولذلك بقيت قصيدته قريبة من القلب.
وفي ذكرى رحيله، يعود اسمه لا بوصفه شاعراً غاب في الأول من أيلول فقط، بل بوصفه صوتاً من أصوات بغداد التي ما زالت قصائدها تمشي بين الناس، حتى بعد أن يغيب أصحابها.
جبار رشيد رحل الجسد، وبقي «صوت الشمس» حاضراً في ذاكرة الشعر الشعبي العراقي.
