120 فنانًا في فضاء واحد .. هل يعود الفن التشكيلي العراقي إلى الواجهة؟

تقرير : مصطفى شاكر _ مدار 24

عادةً ما يُنظر إلى المعرض التشكيلي بوصفه مجموعة من الأعمال المعلقة على الجدران، لكن «فضاء لوني» حاول أن يقدم صورة أوسع عن الحركة التشكيلية العراقية. من 120 فنانا، مقدمين تجارب بصرية متنوعة، تراوحت بين الواقعية والتجريد، وبين استلهام التراث والاشتغال على قضايا الإنسان والمدينة والذاكرة.

 

فالمعرض جمع فنانين من تجارب مختلفة، الأمر الذي جعل القاعة مساحة للحوار بين المدارس والأساليب والأفكار. وبينما حافظ بعض الفنانين على حضور العناصر الواقعية، اتجه آخرون نحو التجريد والرمز والتكوينات اللونية الحديثة.

 

المشهد بدا أشبه بخريطة مصغرة للفن التشكيلي العراقي؛ أسماء وتجارب تنتمي إلى أجيال متعاقبة، لكنها اجتمعت في مكان واحد لتطرح سؤالًا مهمًا إلى أين يتجه الفن التشكيلي العراقي اليوم؟

 

وتشير التغطية الصحفية للمعرض إلى أن الأعمال عكست تنوعًا واضحًا في الأساليب البصرية، من الواقعي إلى التجريدي، ومن استحضار التراث إلى التعبير عن المدينة والإنسان والتحولات الاجتماعية.

 

من أبرز ما يمنح المعرض أهميته مشاركة أجيال متعددة من الفنانين. ففي مساحة واحدة يمكن أن يلتقي الفنان صاحب التجربة الطويلة بالفنان الشاب الذي يبحث عن لغته الخاصة، وتلتقي تجربة تشكلت عبر عقود مع تجربة جديدة تحاول أن تكتشف موقعها في المشهد الفني المعاصر.

 

فهذا التداخل بين الأجيال يمثل أحد أهم عناصر قوة الحركة التشكيلية لأن الفن لا يتطور بالعزلة، وإنما بالحوار بين التجارب. وفي «فضاء لوني» بدا هذا الحوار حاضرًا من خلال اختلاف الأعمال وتنوع طرق التعامل مع اللون والشكل والموضوع.

وتبدو البيئة العراقية حاضرة بصورة أو بأخرى في عدد من التجارب التشكيلية. فالنخلة، والبيوت البغدادية، والشناشيل، والأسواق، والأنهار، والوجوه الشعبية، كلها عناصر يمكن أن تتحول من تفاصيل يومية إلى رموز بصرية. لكن الفنان العراقي المعاصر لا يكتفي دائمًا بنقل هذه العناصر كما هي؛ بل يعيد تركيبها ويمنحها معنى جديدًا.

 

قد تتحول النخلة إلى رمز للذاكرة، والبيت القديم إلى صورة عن الطفولة، والمدينة إلى مساحة للقلق والتحولات، بينما يصبح الوجه الإنساني وسيلة للتعبير عن مشاعر تتجاوز حدود المكان.

 

وهنا تكمن خصوصية الفن التشكيلي: أن الواقع لا ينتقل إلى اللوحة كما هو، وإنما يمر أولًا عبر عين الفنان وذاكرته وموقفه من الحياة.

 

العنوان نفسه، «فضاء لوني»، يحمل دلالة تتجاوز اللون بمعناه البصري. فاللون في اللوحة يمكن أن يكون حالة نفسية، أو ذاكرة، أو موقفًا، أو حتى احتجاجًا صامتًا.

 

وفي الأعمال المشاركة، ظهر اختلاف واضح في التعامل مع اللون؛ فهناك لوحات تعتمد على الألوان الهادئة والتكوينات المتوازنة، وأخرى تستخدم الكتل اللونية القوية، فيما تتجه تجارب أخرى إلى التجريد والاختزال.

 

وهذا الاختلاف لا يمثل فوضى فنية، بل يعكس اتساع مساحة التعبير داخل الفن العراقي المعاصر.

 

أنه لا يمكن الحديث عن تطور الفن من دون الحديث عن الجمهور. فالمعرض التشكيلي لا يكتمل بالفنان واللوحة فقط؛ هناك المتلقي الذي يقف أمام العمل ويحاول فهمه وتأويله وربطه بتجربته الخاصة.

 

وتشير تغطيات معارض فنية عراقية حديثة في بغداد إلى وجود اهتمام متزايد من الجمهور بالفن التشكيلي، وإلى تطور النقاش حول الأعمال والتجارب الجديدة. وفي أحد المعارض الحديثة، تحدث الفنان سعد تويج عن تغير الذائقة الفنية لدى البغداديين وتطور اهتمامهم بالفن المعاصر.

 

وهذا يفتح سؤالًا آخر هل أصبح الجمهور العراقي أكثر استعدادًا لتقبل الأعمال التي تبتعد عن الأسلوب التقليدي؟ وربما لا توجد إجابة واحدة، لكن كثرة المعارض وتنوع التجارب والجمهور الذي يتابعها كلها مؤشرات تستحق التوقف عندها.

▪️ جمعية الفنانين بيت يتسع للاختلاف

 

وقد أقيم «فضاء لوني» في جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين – المركز العام في بغداد، التي تمثل واحدة من المؤسسات المهمة في المشهد التشكيلي العراقي.

 

ومشاركة هذا العدد الكبير من الفنانين في معرض واحد تعطي صورة عن حجم النشاط التشكيلي الموجود في البلاد، كما تبرز أهمية المؤسسات الفنية في توفير المساحات التي تسمح للفنانين بعرض أعمالهم والتواصل مع الجمهور.

وقال رئيس الجمعية الفنان سعد العاني إن «فضاء لوني» لا يقتصر على كونه معرضًا للرسم، وإنما يمثل احتفاءً بالحياة والاختلاف والطاقة الإبداعية التي تمنح الفن العراقي حضوره.

 

وهذه الفكرة ربما تلخص جوهر المعرض: ليس المطلوب أن تتشابه اللوحات، بل أن تجد الاختلافات مكانًا واحدًا يجمعها.

 

الفن التشكيلي العراقي يمتلك تاريخًا طويلًا، ارتبط بأسماء وتجارب تركت أثرًا عربيًا ودوليًا. لكن الحفاظ على هذا الإرث لا يعني تكرار الأساليب القديمة.

 

الفنان الجديد يحتاج إلى أن يعرف تاريخ الفن العراقي، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى البحث عن لغته الخاصة، والتعامل مع الأسئلة الجديدة التي يعيشها المجتمع.

 

وهذا ما يجعل المشهد التشكيلي أمام معادلة صعبة: كيف نحافظ على الهوية من دون أن نقع في التكرار؟ وكيف نكون معاصرين من دون أن نفقد جذورنا؟

 

ربما تكمن الإجابة في الأعمال التي تستطيع أن تجمع بين الاثنين لوحة تحمل شيئًا من ذاكرة العراق، لكنها تتحدث بلغة فنية تنتمي إلى حاضرها.

▪️ 120 فنانًا أكثر ل 120 حكاية

 

حين يقف الزائر أمام أكثر من 120 تجربة، فإنه لا يرى 120 لوحة فقط، وإنما يواجه عددًا كبيرًا من الرؤى المختلفة.

 

هناك الفنان الذي يرسم من ذاكرته، وآخر يرسم من واقعه، وثالث يبحث في اللون والشكل، ورابع يستعيد التراث، وخامس يحاول أن يقدم تجربة لا تشبه ما سبقها.

 

وهذه التعددية هي التي تجعل «فضاء لوني» مادة مهمة للحديث عن واقع الفن التشكيلي العراقي اليوم.

 

فالمعرض لا يقدم إجابة نهائية عن مستقبل الفن، لكنه يقدم صورة عن حيويته وتنوعه واستمراره.

 

إلى أين يتجه الفن التشكيلي العراقي؟ ربما يكون السؤال الأهم الذي يتركه «فضاء لوني» خلفه هو: ماذا بعد؟ هل تستطيع هذه التجارب أن تصل إلى الجمهور العربي والعالمي؟ هل يحصل الفنانون الشباب على فرص أكبر للعرض؟ هل تتحول المعارض المحلية إلى مشاركات دولية؟ وهل تستطيع بغداد استعادة موقعها كإحدى المدن العربية المهمة في المشهد التشكيلي؟

 

هذه الأسئلة تحتاج إلى أكثر من معرض واحد للإجابة عنها، لكنها بالتأكيد تستحق أن تُطرح.

 

فالمشهد الذي جمع أكثر من 120 فنانًا وفنانة يثبت أن الحركة التشكيلية العراقية ما زالت تمتلك طاقة كبيرة، وأن الفن لم يتوقف عن البحث والتجريب رغم كل التحولات التي مر بها العراق.

 

ربما لا يعود الفن التشكيلي العراقي إلى الواجهة لأنه غاب عنها أصلًا؛ ربما كان موجودًا طوال الوقت، لكنه يحتاج إلى مساحات أكبر ليُرى.

وفي «فضاء لوني»، لم تكن الجدران تحمل لوحات مختلفة فحسب، بل حملت صورة عن عراق متعدد الرؤى، وعن فنانين يحاولون تحويل الذاكرة والمدينة والإنسان والحياة إلى لون وشكل.

 

120 فنانًا اجتمعوا في فضاء واحد، لكن كل واحد منهم حمل عالمًا مختلفاً. وهكذا يبقى الفن التشكيلي العراقي، بكل اختلافاته، قادرًا على طرح السؤال ذاته من جديد

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.