هادي عباس : رحيل نحاتٍ عراقي حمل ذاكرة المكان إلى الخشب والحجر والمعدن
خاص | مدار 24
غاب عن المشهد التشكيلي العراقي، أمس الاثنين، النحات والفنان التشكيلي هادي عباس، بعد مسيرة فنية امتدت لأكثر من خمسة عقود، تنقّل خلالها بين النحت والرسم والخزف، وترك حضوراً خاصاً في تجربة النحت العراقي الحديث. وقد نعت نقابة الفنانين العراقيين الراحل، معربة عن حزنها لرحيله ومقدّمة التعازي إلى عائلته ومحبيه وزملائه.
لم يكن هادي عباس فناناً ينتمي إلى اختصاص واحد؛ فقد بدأ تجربته مع الخزف والرسم، قبل أن يجد في النحت المجال الأوسع للتعبير عن رؤيته الفنية. تخرّج في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد عام 1967، وتلقى في بداياته تدريباً في الخزف على يد الفنان القبرصي فالانتينوس، مؤسس قسم الخزف في الأكاديمية، ثم انتقل إلى قسم النحت وتتلمذ على يد النحات العراقي محمد غني حكمت، الذي كان من أبرز المؤثرين في مسيرته الفنية.
توسعت تجربة عباس مع مرور السنوات لتشمل الخشب والحجر والمعادن ومواد أخرى، واشتغل على العلاقة بين الكتلة والفراغ، وبين الشكل الهندسي والتعبير الإنساني. وتشير دراسة نقدية منشورة في صحيفة الصباح إلى أن أعماله اتجهت في مراحل مختلفة نحو التجريد، مع احتفاظها بإشارات إنسانية ورمزية، الأمر الذي منح منحوتاته مساحة للتأويل بعيداً عن النقل المباشر للأشكال.
وكان عباس من المشاركين في تأسيس «جماعة ألوان للنحاتين العراقيين»، إلى جانب عدد من النحاتين العراقيين، كما ارتبط اسمه بتأسيس أول جمعية للخزف في بغداد، في وقت كان فيه الفنان العراقي يبحث عن مساحات جديدة لتطوير التجربة التشكيلية والخروج بها إلى آفاق أكثر تنوعاً.
ولم تقتصر تجربته على المشاركات الجماعية؛ فقد أقام ثلاثة معارض شخصية، وشارك في العديد من المعارض داخل العراق وخارجه، كما توجد أعمال له ضمن مقتنيات فنية مختلفة. وظل، بحسب شهادات تناولت تجربته في السنوات الأخيرة، مواظباً على العمل والإنتاج رغم الظروف الصعبة التي أحاطت بمسيرته.
في شباط/فبراير 2026، تناولت صحيفة الصباح الجديد تجربة هادي عباس، ووصفتها بأنها تمتلك طاقة فنية كبيرة لم تنل ما يكفي من الاهتمام، مشيرة إلى تعدد اشتغالاته بين الرسم والنحت والخزف، وإلى استمرار حضوره الإبداعي رغم محدودية ظروف العمل.
وقبل رحيله بنحو شهر، حظي عباس بتكريم من منظمة «نخيل عراقي» الثقافية خلال جلسة احتفت بتجربته الفنية والنحتية، وحصل خلالها على قلادة الإبداع، في مناسبة استعاد فيها فنانون وإعلاميون وأكاديميون محطات من تجربته الطويلة.
رحل هادي عباس، لكن المواد التي اشتغل عليها ستبقى شاهدة على تجربته؛ فالخشب والحجر والمعدن لم تكن بالنسبة إليه مجرد خامات، بل مساحات لاكتشاف الشكل والإنسان والذاكرة. وبين جيل رواد النحت العراقي والتجارب التي جاءت بعدهم، يترك عباس مساراً فنياً جمع النحت والخزف والرسم، وأسهم في إبقاء الحوار مفتوحاً بين الفنان والمادة والمكان.
برحيله يخسر الفن التشكيلي العراقي واحداً من الأسماء التي واصلت العمل لعقود، بعيداً عن صخب الأضواء، وقريباً من جوهر الفن أن تترك أثراً يبقى بعد غياب صاحبه.
