العراق ضيفًا على عمّان : الثقافة العراقية تعبر الحدود من جديد

متابعة | مدار 24

مدار 24 _ عمان | حضور عراقي مرتقب في الدورة الخامسة والعشرين، من الكتاب إلى الأدب والفنون

يستعد المشهد الثقافي العربي لاستقبال حضور عراقي بارز في الأردن، بعدما أعلن اتحاد الناشرين الأردنيين اختيار العراق ضيف شرف للدورة الخامسة والعشرين من معرض عمّان الدولي للكتاب 2026، في خطوة تفتح مساحة جديدة للتعريف بالثقافة العراقية وإبداعاتها أمام القارئ العربي. ومن المقرر أن تقام الدورة خلال الفترة من 24 أيلول/سبتمبر إلى 3 تشرين الأول/أكتوبر 2026 في المركز الأردني للمعارض الدولية – مكة مول في العاصمة عمّان.

 

ويأتي اختيار العراق ضيف شرف ليمنح المشاركة العراقية بعدًا يتجاوز حضور دور النشر وبيع الكتب، إذ أعلن القائمون على المعرض أن العراق سيكون حاضرًا من خلال برنامج ثقافي متنوع يسلط الضوء على المشهد الثقافي العراقي بمختلف مجالاته، مع توجه لتعزيز التعاون في النشر والترجمة والفنون.

 

▪️ العراق ضيف يحمل ذاكرة ثقافية طويلة

 

حين يحضر العراق في معرض للكتاب، فإنه لا يحضر بمجموعة من العناوين الجديدة فقط، بل يحمل معه تاريخًا طويلًا من الكتابة والفكر والشعر والرواية والفنون.

 

فالعراق ارتبط بالكتاب منذ أقدم العصور، من ألواح الكتابة المسمارية في بلاد الرافدين، وصولًا إلى المدارس والمكتبات وحركات الشعر والرواية والفكر في العصر الحديث.

 

ومن بغداد إلى البصرة والموصل والنجف وكربلاء ومدن العراق الأخرى، تشكلت تجارب أدبية وفكرية وفنية متعددة أسهمت في صناعة المشهد الثقافي العربي.

 

ولهذا تبدو مشاركة العراق في معرض عمّان فرصة لتقديم هذه الذاكرة الثقافية أمام جمهور عربي واسع، وإعادة فتح النوافذ على الأدب العراقي القديم والحديث والمعاصر.

من المتوقع أن يشكل الأدب العراقي محورًا أساسيًا في الحضور العراقي، بما يملكه من أسماء وتجارب تركت أثرًا واضحًا في الثقافة العربية.

 

فالشعر العراقي، بتاريخه الطويل، والرواية والقصة القصيرة والنقد والدراسات الفكرية، كلها مجالات يمكن أن تكون جزءًا من البرنامج الثقافي العراقي، إلى جانب تقديم الإصدارات الحديثة للكتاب ودور النشر والمؤسسات الثقافية.

 

ولا تقتصر أهمية المشاركة على عرض الكتب، بل تمتد إلى الحوار بين المثقفين العراقيين والعرب، وفتح المجال أمام لقاءات وندوات وأمسيات أدبية يمكن أن تخلق تعاونًا جديدًا بين المؤسسات الثقافية والناشرين.

تمثل المعارض الدولية للكتاب فرصة مهمة للناشر العراقي للوصول إلى جمهور خارج العراق. فالكتاب الذي يصدر في بغداد أو البصرة أو النجف أو أربيل يمكن أن يجد طريقه إلى القارئ الأردني والعربي، كما يمكن لدور النشر العراقية أن تتعرف إلى تجارب عربية جديدة في مجال النشر والتوزيع والترجمة.

 

وهنا تظهر إحدى أهم نتائج استضافة العراق بوصفه ضيف شرف: تحويل المشاركة من حضور مؤقت إلى فرصة لبناء علاقات ثقافية طويلة الأمد.

 

وقد أكد رئيس اتحاد الناشرين الأردنيين ومدير المعرض جبر أبو فارس أن الاستضافة تهدف إلى تعزيز التبادل الثقافي بين الأردن والعراق، وفتح آفاق جديدة للتعاون في مجالات النشر والترجمة والفنون، وإتاحة الفرصة للجمهور للتعرف إلى تنوع المشهد الثقافي العراقي.

فالحضور العراقي يستطيع أن يقدم صورة أكثر شمولًا عن البلاد من خلال الفنون التشكيلية والموسيقى والمسرح والخط العربي والتراث، إلى جانب الندوات والحوارات الأدبية.

 

وهذا التنوع مهم لأنه يقدم العراق بصورة مختلفة؛ ليس باعتباره بلدًا يمتلك تاريخًا ثقافيًا عريقًا فحسب، وإنما باعتباره مشهدًا ثقافيًا حيًا ومستمرًا ينتج الأدب والفن ويحتضن الأجيال الجديدة من المبدعين.

 

▪️ عمّان مساحة للحوار العربي

 

لطالما شكلت معارض الكتب العربية مساحة للقاء المثقفين والناشرين والقراء، ومعرض عمّان الدولي للكتاب أصبح واحدًا من الفعاليات الثقافية المهمة في المنطقة.

 

وفي دورة 2025، شارك أكثر من 130 مبدعًا ضمن البرنامج الثقافي للمعرض، الذي تضمن ندوات وأمسيات شعرية وقراءات قصصية وورش عمل، وهو ما يعكس اتساع الدور الثقافي للمعرض إلى جانب وظيفته الأساسية في عرض الكتب.

 

أما دورة 2026، فتكتسب أهمية إضافية بالنسبة للعراق مع اختيار البلاد ضيف شرف، لتصبح المناسبة مساحة للقاء الثقافة العراقية بالثقافات العربية المشاركة.

 

يحمل اختيار العراق ضيف شرف رسالة تتجاوز إطار المعرض نفسه، إذ يأتي في سياق العلاقات الثقافية بين العراق والأردن، والرغبة في تعزيز التواصل بين المثقفين والناشرين والمؤسسات الثقافية في البلدين.

 

وكان العراق قد شارك رسميًا في معرض عمّان الدولي للكتاب في دورات سابقة، ومن بينها مشاركة وزارة الثقافة العراقية التي ضمت نحو 1000 عنوان و4000 كتاب من مؤسسات ثقافية عراقية مختلفة، في مؤشر على وجود قاعدة سابقة للتواصل الثقافي بين البلدين.

 

لكن المشاركة بصفة ضيف شرف تمنح العراق مساحة أكبر للتعريف بثقافته، وتسمح بتقديم برنامج مخصص له، بدل الاكتفاء بجناح ضمن الأجنحة الدولية.

ربما تكمن أهمية هذه الاستضافة في أنها تضع الثقافة العراقية أمام جمهور عربي خارج حدود العراق، وتمنح الكتاب العراقي فرصة جديدة للوصول والتعريف.

 

ففي زمن تتسارع فيه وسائل النشر الرقمي وتتغير فيه علاقة الإنسان بالكتاب، تبقى معارض الكتب مساحة ضرورية للقاء المباشر بين الكاتب والقارئ والناشر.

 

وعندما يكون العراق هو ضيف الشرف، فإن الرفوف لا تحمل الكتب وحدها؛ بل تحمل معها أصوات الشعراء، وحكايات الروائيين، وأفكار المفكرين، وتجارب الفنانين، وذاكرة بلد ارتبط اسمه بالكتابة منذ آلاف السنين.

 

ومن بغداد إلى عمّان، تبدو الرحلة الثقافية العراقية هذه المرة أقرب إلى رسالة تقول إن الثقافة لا تعرف الحدود، وإن الكتاب يستطيع أن يكون جسرًا يصل بين شعبين وذاكرتين ومدينتي. العراق في عمّان ليس مجرد ضيف في معرض للكتاب إنه ضيف يحمل معه حكاية ثقافة كاملة.

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.