من الشورجة إلى شارع الرشيد، تقف عمارة عبود شاهدة على مرحلة من التحولات المعمارية التي رسمت ملامح بغداد الحديثة
في قلب بغداد القديمة، عند مدخل سوق الشورجة من جهة شارع الرشيد، تقف عمارة عبود الدائرية، المعروفة أيضا بعمارة الذكير وآدفيش عبود، بوصفها واحدة من العلامات المعمارية التي احتفظت بحضورها في ذاكرة المدينة. فالمبنى الذي شُيّد في منتصف خمسينيات القرن الماضي لم يكن مجرد عمارة تجارية، بل تجربة معمارية لافتة قدمت تصورا مختلفا لشكل المباني في العاصمة العراقية.
▪️تصميم مختلف عن المألوف
بدأ تشييد العمارة عام 1955، في مرحلة كانت بغداد تشهد فيها تحولات عمرانية واضحة، وتتجه نحو استيعاب الأفكار المعمارية الحديثة. وجاء تصميم المبنى مغايرا للأنماط التقليدية السائدة آنذاك، إذ تتخذ قاعدته شكلا مربعا، بينما ترتفع فوقها كتلة أسطوانية ذات طوابق متتابعة، تمنح المبنى مظهرا دائريا يسهل تمييزه وسط المباني المحيطة.
ارتبط تصميم العمارة بالمهندس المعماري عبد الله إحسان كامل، وبمشاركة المعماري العراقي رفعت الجادرجي، أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في تشكيل ملامح العمارة الحديثة في العراق. وقد مثّل هذا العمل محاولة للجمع بين لغة التصميم المعاصر والخصوصية البصرية للمكان البغدادي.
ولم يكن الشكل الأسطواني مجرد اختيار جمالي؛ إذ تشير روايات عن التصميم إلى رغبة في تحقيق الانسجام مع مئذنة المدرسة المرجانية وقبابها القريبة، في حوار بصري يجمع بين مبنى حديث ومعلم تاريخي عريق.

▪️بين ذاكرة المكان وتعدد الأسماء
حملت العمارة اسم عبود نسبة إلى لطيف عبود طبارة، صاحب شركة عبود طبارة للسجائر، قبل أن تتداول عليها تسميات أخرى ارتبطت بمراحل انتقال ملكيتها، ومنها عمارة آدفيش عبود وعمارة البهبهاني وعمارة الذكير. ويكشف تعدد الأسماء عن علاقتها بتاريخ المكان وأصحابه، وعن حضورها المستمر في الذاكرة الشعبية لبغداد.
وتزداد أهمية موقعها من قربها من المدرسة المرجانية التاريخية، التي يعود تاريخ إنشائها إلى القرن الرابع عشر الميلادي، ومن أسواق الشورجة التي ظلت لعقود طويلة واحدة من أهم المراكز التجارية في العاصمة. وهكذا اجتمع في مساحة محدودة أثر معماري قديم ومبنى حديث وسوق نابض بالحركة اليومية.
▪️حين تصبح العمارة صورة للمدينة
لم تقتصر شهرة عمارة عبود على شكلها المختلف، بل أسهم التصوير الفوتوغرافي في ترسيخ صورتها بوصفها جزءا من المشهد البغدادي. وقد وثّق المصور العراقي الراحل لطيف العاني العمارة في خمسينيات القرن الماضي، ضمن اهتمامه بتسجيل التحولات العمرانية والحياة اليومية في العراق.
وتكشف الصور القديمة عن مبنى بدا آنذاك حديثا ومتفردا، تحيط به شوارع وأسواق وواجهات تمثل طبقات مختلفة من تاريخ بغداد. وهي صور لا تحفظ ملامح البناء فحسب، بل تستعيد أيضا أجواء مرحلة كانت فيها المدينة تبحث عن صيغ جديدة للتعبير عن هويتها العمرانية.

▪️معلم يحتاج إلى ذاكرة تحميه
اليوم، تطرح عمارة عبود سؤالا يتجاوز قيمتها الهندسية: كيف يمكن لبغداد أن تحافظ على مبانيها الحديثة التي أصبحت جزءا من تراثها؟ فالتراث المعماري لا يقتصر على المساجد والمدارس والبيوت القديمة، بل يشمل أيضا المباني التي وثّقت تحولات المجتمع وتطلعاته في القرن العشرين.
إن الحفاظ على هذا المبنى وتوثيق تفاصيله وتاريخه يمثلان جزءا من صون ذاكرة شارع الرشيد، بما يحمله من شواهد على تاريخ المدينة التجاري والاجتماعي والثقافي. فبغداد لا تُقرأ من خلال آثارها القديمة وحدها، وإنما من خلال جميع الطبقات التي صنعت شخصيتها عبر الزمن.
وتبقى عمارة عبود الدائرية أكثر من كتلة أسطوانية تعلو قاعدة مربعة؛ إنها حكاية عن مدينة التقت فيها الأصالة بالحداثة، وعن مرحلة تركت بصمتها في المشهد العمراني العراقي، وعن ذاكرة تستحق أن تُروى قبل أن تطويها السنوات.
