الكاتب رساماً .. خوان كارلوس سانشو
ترجمة وإعداد : عبدالهادي سعدون |شاعر وكاتب ومترجم عراقي
▪️الحلقة الأولى
لم تعد الحدود الفاصلة بين الأجناس والفنون في النقد الأدبي والفني الحديث حدودًا ثابتة أو نهائية، إذ أصبح من الممكن النظر إلى العمل الإبداعي بوصفه فضاءً تتقاطع داخله أنظمة تعبير متعددة، وتتفاعل فيه الكلمة مع الصورة، والسرد مع التشكيل، والزمن مع المكان. وفي هذا السياق تبرز ظاهرة «الكاتب الرسام» باعتبارها إحدى أكثر الظواهر دلالة على تداخل الفنون، لا من حيث اجتماع موهبتين مستقلتين في شخص واحد فحسب، وإنما من حيث انبثاق التعبيرين الأدبي والتشكيلي عن تجربة جمالية واحدة. فالكاتب الذي يمارس الرسم لا يضيف إلى تجربته الأدبية نشاطًا هامشيًا أو ترفًا جماليًا، وإنما يكشف، من خلال ممارسته البصرية، عن مستوى آخر من مستويات علاقته بالعالم وباللغة وبالذات. ومن هنا يصبح الرسم نصًا موازيًا للكتابة، كما يمكن النظر إلى الكتابة بوصفها تشكيلًا ذهنيًا للصورة. ولا تعني هذه العلاقة أن اللوحة تتحول إلى شرح للنص، أو أن النص يصبح تعليقًا على اللوحة، بل إن كليهما قد يعمل بوصفه نظامًا مستقلًا للدلالة، مع احتفاظهما بصلات عميقة تنبع من وحدة التجربة الإبداعية. تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة حين نضعها في ضوء تجارب عدد من الكتاب والشعراء الذين مارسوا الرسم أو ارتبطت أعمالهم الأدبية ارتباطًا وثيقًا بالفنون البصرية.
يفترض هذا البحث أن العلاقة بين الكلمة والصورة في تجربة الكاتب الرسام لا تقوم على التزيين أو التوضيح، وإنما على التفاعل البنيوي بين نظامين من أنظمة التعبير؛ فالكتابة تتحرك في الزمن عبر التتابع، في حين تتيح الصورة إدراكًا مكانيًا أكثر تكثيفًا، ومن ثم يمكن للرسم أن يصبح وسيلة لإظهار ما تعجز اللغة عن قوله بصورة مباشرة، كما يمكن للتكوين البصري أن يؤثر في بناء المشهد والوصف والإيقاع داخل النص الأدبي. وانطلاقًا من ذلك، تتحدد أهمية هذا البحث في السؤال الآتي: كيف يسهم تداخل الكتابة والرسم في إعادة تعريف التجربة الإبداعية للكاتب الرسام، وما الذي تضيفه الممارسة البصرية إلى بنية الكتابة وإلى طرائق إنتاج المعنى؟ وهل يتعلق الأمر بممارسة فنية مزدوجة، أم بوحدة إبداعية تتخذ أشكالًا تعبيرية مختلفة؟
1
خوان كارلوس دي سانشو : الرسومات كلمات أيضاً
Juan Carlos de Sancho كاتب ورسّام إسباني ولد في جزر الكناري عام 1956، يجمع في تجربته الإبداعية بين الأدب والرسم، ويستكشف من خلالهما عوالم الخيال وأحلام الطفولة والتأملات الشعرية. عمل رسّامًا في الصحف، وأنجز رسومكاريكاتورية وقصصًا مصوّرة، كما أقام معارض فنية وشارك برسوماته في أعمال أدبية وشعرية. ومن مؤلفاته (قطار اللانهاية)، و(الوحدات العابرة)، و (احتفال الصحراء)، و (قاموس القرد القارئ)، و (في مديح اللامرئي)، إلى جانب أعمال أخرى تتنوع بين الحكاية والتأمل الأدبي والخيال. وتتميّز تجربته بارتباط وثيق بين الكلمة والصورة، إذ يرى أن الكتابة والرسم طريقتان متكاملتان للحكي والتعبير، وأن لكل منهما لغته الخاصة.

لماذا الرسم والتلوين؟ هل هما أداة ثانوية أم أساسية، مثل الكتابة؟
ـ أروي في رسوماتي عوالم لا أعرف كيف أحكيها بالكلمات. إنها عوالم لها علاقة بشيء لا أستطيع السيطرة عليه، وبالشعر أيضًا، وبأحلام طفولتي. كانت سيمون دي بوفوار تقول: «نحن الطفل نفسه، لكن العمر هو الذي نفخ في حجمه». عندما أكتب كثيرًا، أفكر كثيرًا وأشعر بالتعب، فألجأ إلى الرسم وأستعيد تحليقي كالنسر، وانقضاضي نحو الأسفل، وانزلاقي في الهواء بلا وجهة. عندما أرسم، أُطلق العنان لعقلي، وتتحرك يدي وكأنها تعمل من تلقاء نفسها، مثل سفينة بلا وجهة ولا دفة. ولا تهم الفكرة النهائية؛ فالأمر أشبه بالذهاب بعيدًا جدًا، إلى أبعد مدى تسمح به جرأتي.
الرسومات كلمات أيضًا، لكنها تمتلك قوة لا تملكها الكلمات: تأثيرها فوري. عندما أكتب، أترك بضعة أشهر تمرّ قبل أن أرى ما الذي كتبته حقًا. أفكر بالصور، وأرى حكاياتي بعينيّ، ثم أرويها. أما عندما أرسم، فلا أعرف ما الذي سيظهر؛ بل أكتشفه بينما يتقدم الخط ويمنح حدسي أشكالًا مرئية. عندما أرسم، لا أصحّح، أما عندما أكتب فأفعل. الرسومات لا تحتوي على نعوت؛ إنها في مجملها نعت واحد. أما النعوت في القصص فهي التي تضفي الألوان على الجمل. الكتابة والرسم هما الطريقتان اللتان أمتلكهما للحكي. بالكتابة أفكر، أما بالرسم فلا أفعل ذلك.

ـ هل الرسم مرحلة عابرة؟ ولماذا لا تسلّط عليه الضوء ولا تروّج له كثيرًا، كما تفعل مع نصوصك؟
ـ إنه ليس مرحلة عابرة. لقد عملت رسّامًا في الصحف، ورسمت الكاريكاتير والقصص المصوّرة. كما أقمت عدة معارض فردية لرسوماتي، ورسّمت بعض كتبي الخاصة، وصمّمت أغلفة كتب لكتّاب من أصدقائي، ورسّمت كتبًا تضم قصائدي وقصائد لشعراء آخرين، وغير ذلك. على شبكات التواصل الاجتماعي، أعرض عادةً رسوماتي التوضيحية التي ترافقها تأملات محددة، ذات طابع أدبي دائمًا؛ فالنص والرسم يشكّلان وحدة متكاملة. أخطط لنشر الرسوم الكاريكاتورية قريبًا في كتاب واحد، إلى جانب عدة كتب تضم رسوماتي التوضيحية فقط، مرفقة ببعض التعليقات القصيرة، وكتابين عن شخصيات خيالية ورسوماتها المقابلة.

ـ هل يُعدّ الرسم عنصرًا أساسيًا لفهم مسيرتك، بحيث ينبغي دراسة رسوماتك وتأملها ضمن تجربتك ككاتب، أم أنه لا يرتبط بها في الواقع؟
ـ أشعر بأنني أعبّر عن أفكاري من خلال نصوصي ورسوماتي على حد سواء؛ فكلاهما شكل من أشكال الكتابة. أعتقد أنني، على مرّ السنين، تمكنت من الوصول إلى أسلوب خاص بي، سواء ككاتب أو كرسّام، ولم يكن الأمر سهلًا على الإطلاق. الرسم بطاقة تعريف فورية، وكذلك الكتابة. لكلّ منا خطّه الخاص ونظامه التعبيري المميّز. وأعتقد أنهما، في حالتي، لا ينفصلان: أكتب وأنا أرسم، وأرسم وأنا أكتب. في كلتا الحالتين، أنا أحكي الحكايات.
